الدكتور مصطفى امزيل يكتب : جيوسياسية الطاقة واستقرار السوق الداخلية: كيف يمكن للسياسات العمومية المغربية احتواء صدمة ارتفاع أسعار المحروقات

مصطفى امزيل استاذ باحث في شعبة العلوم الاقتصادية بكلية الاقتصاد والتدبير بني ملال
حاصل على دكتوراه الدولة في الاقتصاد الدولي ماستر متخصص في الاقتصاد والمالية التطبيقة خبير معتمد في مجالات الابتكار والمالية والاقتصاد الدولي
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعرفها النظام الدولي، أعادت التوترات العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وما صاحبها من انخراط مباشر للولايات المتحدة الأمريكية، تسليط الضوء على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب ثلث التجارة العالمية من النفط.
وفي مثل هذه السياقات، عادة ما تتفاعل الأسواق الدولية للطاقة بسرعة كبيرة مع المخاطر الجيوسياسية، حيث ترتفع علاوة المخاطر (Risk Premium) في أسعار النفط نتيجة تخوف الفاعلين الاقتصاديين من اضطرابات محتملة في الإمدادات
غير أن قراءة اقتصادية متأنية لطبيعة هذه الصدمات تشير إلى أن تأثيرها الفعلي على أسعار المحروقات داخل الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها المغرب، لا يكون دائماً بالحدة التي يتخيلها الرأي العام. فأسواق الطاقة العالمية تخضع اليوم لدرجة عالية من التنويع في مصادر الإنتاج والتزويد، كما أن منظومة المخزون الاستراتيجي والآليات التنظيمية للأسواق قادرة في كثير من الأحيان على امتصاص جزء مهم من هذه الصدمات الظرفية
بالنسبة للمغرب، باعتباره بلداً مستورداً صافياً للطاقة، فإن أي ارتفاع في أسعار النفط في الأسواق الدولية ينعكس بشكل أو بآخر على كلفة الواردات الطاقية وعلى توازنات الميزان التجاري. غير أن هذا التأثير يظل نسبياً ومحدوداً لعدة اعتبارات اقتصادية ومؤسساتية. أولها أن المغرب يعتمد على تنويع مصادر التزويد بالطاقة، مما يقلص من درجة الارتهان لمنطقة جغرافية واحدة.
وثانيها أن آليات السوق المحلية في قطاع توزيع المحروقات تظل مرتبطة بتطورات الأسعار الدولية ولكنها لا تتفاعل معها بشكل فوري أو ميكانيكي، نظراً لوجود مخزونات تجارية وآليات للتسعير تأخذ بعين الاعتبار متوسط الأسعار خلال فترة زمنية معينة
إضافة إلى ذلك، تلعب السياسة العمومية في المغرب دوراً محورياً في الحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى السوق الداخلية. فمنذ إصلاح منظومة الدعم الطاقي قبل سنوات، اختار المغرب الانتقال نحو نموذج أكثر مرونة يقوم على تحرير الأسعار مع الاحتفاظ بقدرة الدولة على التدخل غير المباشر من خلال السياسات الضريبية، والرقابة التنظيمية، ومراقبة شروط المنافسة داخل السوق
وفي هذا الإطار، يبرز الدور الاستراتيجي للحكومة المغربية في ضمان استقرار السوق الطاقية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فالدولة تمتلك مجموعة من الأدوات الاقتصادية والمالية التي تمكنها من تخفيف حدة التقلبات الدولية، سواء عبر التكيف المرحلي للسياسة الضريبية المفروضة على المحروقات، أو من خلال تعزيز مراقبة هوامش الربح داخل سلاسل التوزيع، أو عبر دعم بعض القطاعات الاقتصادية الحساسة التي تتأثر مباشرة بارتفاع كلفة الطاقة، مثل قطاع النقل أو الفلاحة
كما أن الرؤية الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب في مجال الانتقال الطاقي تشكل أحد أهم الضمانات الهيكلية لمواجهة تقلبات أسواق النفط العالمية. فالاستثمارات الكبرى التي أطلقها المغرب في مجال الطاقات المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية والريحية، لا تهدف فقط إلى تحقيق أهداف بيئية، بل تمثل أيضاً خياراً اقتصادياً استراتيجياً لتقليص التبعية الطاقية للخارج وتعزيز الأمن الطاقي الوطني على المدى المتوسط والطويل
ومن هذا المنظور، فإن التوترات الجيوسياسية الراهنة، رغم ما قد تثيره من مخاوف ظرفية في الأسواق الدولية، يمكن النظر إليها أيضاً كعامل يبرز أهمية الخيارات الاستراتيجية التي تبناها المغرب في مجال تنويع مصادر الطاقة وتسريع التحول الطاقي. فكلما تعززت قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج جزء أكبر من احتياجاته الطاقية محلياً، كلما تقلصت درجة تعرضه للصدمات الخارجية
وعليه، فإن القراءة الموضوعية لتداعيات الحرب الجارية في الشرق الأوسط على أسعار المحروقات في المغرب تدعو إلى قدر من الواقعية الاقتصادية بعيداً عن التهويل. فالارتفاع المحتمل في الأسعار، إن حدث، سيبقى في حدود معقولة بالنظر إلى طبيعة السوق الدولية وآليات التنظيم الوطنية، كما أن قدرة الدولة المغربية على التدخل والتكيّف مع هذه المتغيرات تظل عاملاً أساسياً في الحفاظ على استقرار السوق الداخلية
في النهاية، تؤكد هذه الظرفية الدولية مرة أخرى أن تدبير ملف الطاقة لم يعد مجرد قضية قطاعية، بل أصبح رهانا استراتيجياً يرتبط بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للدول. وفي هذا السياق، يظل الرهان الأساسي بالنسبة للمغرب هو مواصلة تعميق الإصلاحات الهيكلية في القطاع الطاقي، وتعزيز حكامة السوق، وتسريع وتيرة الانتقال نحو اقتصاد أقل تبعية للطاقات الأحفورية، بما يضمن استقرار الأسعار وحماية التوازنات الاقتصادية في مواجهة الاضطرابات الدولية



