الدكتور والخبير الاقتصادي مصطفى امزيل يكتب: المغرب في قلب التحول الطاقي الأوروبي: قوة صاعدة لإمداد القارة بالطاقة المتجددة ورسم معالم السيادة الطاقية الجديدة


في سياق التحولات البنيوية التي يعرفها الاقتصاد العالمي، لم يعد الانتقال الطاقي مجرد خيار بيئي، بل أصبح رهانًا استراتيجيًا يحدد موقع الدول ضمن سلاسل القيمة الدولية الجديدة. ويُعدّ الاتحاد الأوروبي من أبرز الفاعلين في هذا التحول، حيث يسعى إلى بلوغ نسبة تفوق 60% من الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة بحلول سنة 2030، بعد أن تجاوزت هذه النسبة بالفعل 48% سنة 2025، مدفوعة أساسًا بالتوسع الكبير في الطاقة الشمسية والريحية. غير أن هذا التقدم يخفي تحديًا هيكليًا عميقًا يتمثل في محدودية الموارد الطبيعية داخل القارة، وارتفاع كلفة الإنتاج، واستمرار الحاجة إلى استيراد الطاقة، وهو ما يجعل البحث عن شركاء خارجيين أمرًا حتميًا لضمان الأمن الطاقي الأوروبي على المدى المتوسط والطويل

وفي هذا الإطار، يبرز المغرب بوصفه فاعلًا استراتيجيًا صاعدًا في معادلة الطاقة العالمية، مستفيدًا من مؤهلات طبيعية استثنائية، حيث يتجاوز معدل الإشعاع الشمسي 3000 ساعة سنويًا في بعض المناطق، إلى جانب إمكانات ريحية من بين الأقوى في حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد مكّن هذا الرصيد الطبيعي، مقرونًا بإرادة سياسية واضحة، من تحقيق قفزة نوعية في مجال الطاقات المتجددة، حيث بلغت القدرة المركبة في هذا المجال أكثر من 4.5 جيغاواط سنة 2025، تمثل حوالي 46% من إجمالي القدرة الكهربائية الوطنية. كما يطمح المغرب إلى رفع هذه النسبة إلى 52% بحلول سنة 2030، وهو هدف يعكس تسارع وتيرة الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، وتكريس نموذج تنموي قائم على الاستدامة

غير أنّ الأهمية الحقيقية للدور المغربي لا تكمن فقط في تلبية حاجياته الداخلية، بل تتجلى أساسًا في قدرته على التحول إلى منصة إقليمية لتصدير الطاقة النظيفة نحو أوروبا. فبفضل موقعه الجغرافي الذي لا يبعد سوى 14 كيلومترًا عن القارة الأوروبية، يتوفر المغرب على أفضلية تنافسية فريدة من حيث تقليص تكاليف النقل، مقارنة بمناطق إنتاج أخرى في إفريقيا أو الشرق الأوسط. وقد تعزز هذا التوجه من خلال مشاريع الربط الكهربائي القائمة مع إسبانيا، والتي تصل قدرتها إلى نحو 1400 ميغاواط، مع مشاريع مستقبلية لرفع هذه القدرة وتعزيز تكامل الشبكات بين الضفتين، بما يسمح بتدفق الكهرباء الخضراء بشكل مستمر نحو السوق الأوروبية

وعلاوة على ذلك، فإن المغرب لا يقتصر على تصدير الكهرباء في شكلها التقليدي، بل يعمل على التموقع في الأسواق المستقبلية للطاقة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، الذي يُتوقع أن يشكل ما بين 10% و15% من الاستهلاك الطاقي الأوروبي بحلول سنة 2050. وفي هذا السياق، أطلق المغرب استراتيجية طموحة تستهدف إنتاج كميات كبيرة من الهيدروجين الأخضر بتكلفة تنافسية، مستفيدًا من انخفاض تكلفة الطاقات المتجددة، حيث تُعد تكلفة إنتاج الكهرباء الشمسية في المغرب من بين الأدنى عالميًا. وقد تم الإعلان عن مشاريع استثمارية ضخمة تتجاوز 30 مليار دولار، موجهة لإنتاج الهيدروجين ومشتقاته، خاصة الأمونيا الخضراء، بهدف تلبية الطلب الأوروبي المتزايد على مصادر طاقة نظيفة وقابلة للنقل والتخزين

ومن منظور اقتصادي أعمق، فإن هذه الدينامية تعكس تحول المغرب من مجرد مستهلك للطاقة إلى فاعل منتج ومصدر ضمن سلاسل القيمة العالمية، وهو ما يعزز من جاذبيته للاستثمارات الأجنبية، خاصة الأوروبية منها، التي تبحث عن مواقع إنتاج منخفضة التكلفة وقريبة جغرافيًا. كما أن هذا التحول يساهم في خلق آلاف مناصب الشغل، وتطوير نسيج صناعي جديد مرتبط بالتكنولوجيا الخضراء، فضلًا عن تحسين ميزان الأداءات عبر تقليص فاتورة الطاقة وتعزيز الصادرات. وفي المقابل، يستفيد الاتحاد الأوروبي من شريك مستقر سياسيًا واقتصاديًا، قادر على تأمين جزء من احتياجاته الطاقية في إطار شراكة تقوم على المنفعة المتبادلة

غير أنّ هذا المسار الطموح يظل رهينًا بجملة من التحديات، من بينها ضرورة تطوير البنية التحتية للنقل والتخزين، وتعزيز قدرات التمويل، وضمان التوازن بين التصدير وتلبية الطلب الداخلي، خاصة في ظل تزايد الاستهلاك الوطني للكهرباء بنسبة تفوق 5% سنويًا. كما تطرح مسألة نقل التكنولوجيا وبناء الكفاءات المحلية تحديًا حاسمًا لضمان استدامة هذا النموذج. ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية، سواء من حيث حجم الاستثمارات أو طبيعة الشراكات الدولية، توحي بأن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقعه كقطب طاقي إقليمي

وعليه، فإن التحليل الاقتصادي الراهن يفضي إلى أن المغرب لم يعد مجرد شريك ثانوي في معادلة الطاقة الأوروبية، بل أصبح أحد أعمدتها المستقبلية، حيث تتقاطع مصالح الطرفين في بناء نظام طاقي جديد قائم على الاستدامة والتكامل الإقليمي. ومن ثم، فإن هذا الدور المتعاظم يعكس بوضوح بروز نموذج تنموي جديد في الضفة الجنوبية للمتوسط، قادر على إعادة رسم ملامح العلاقات الاقتصادية الدولية، وتحويل التحديات البيئية إلى فرص استراتيجية للنمو والاندماج في الاقتصاد الأخضر العالمي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: المحتوى محمي !!
Close

تم الكشف عن مانع للإعلانات

يرجى إيقاف مانع الإعلانات للاستمرار في التصفح

نلاحظ أنك تستخدم مانعاً للإعلانات. يعتمد موقعنا على عائدات الإعلانات لتقديم محتوى مجاني عالي الجودة. نشكرك على إيقاف مانع الإعلانات وإعادة تحميل الصفحة للوصول إلى المحتوى.

نشكركم على دعمكم!