امحمد أقبلي يكتب إصلاح التعليم العالي بالمغرب: قراءة أولية في مشروع القانون 59.24


 

بقلم: ذ.امحمد أقبلي

صادق مجلس الحكومة يومه الخميس 28 غشت 2025 على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي¹، وهو نص يندرج في سياق تنزيل القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي²، وتفعيلاً لتوصيات النموذج التنموي الجديد³. ويُرتقب أن يشكل المشروع منعطفاً أساسياً في مسار إصلاح الجامعة المغربية، بوصفها فضاءً لإنتاج المعرفة ورافعة لبناء الرأسمال البشري، في زمن تسوده ديناميات Knowledge Economy (اقتصاد المعرفة) وInnovation Society (مجتمع الابتكار).

يهدف النص، كما ورد في مذكرته التقديمية، إلى ترسيخ مبادئ Gouvernance universitaire (الحكامة الجامعية)، وربط الاستقلالية المؤسسية بمبدأ Accountability (المحاسبة)، من خلال منح الجامعات صلاحيات أوسع في التدبير الإداري والمالي، مقابل التزامها بمؤشرات أداء دقيقة. كما يقترح المشروع إحداث مؤسسات جديدة مثل Digital Universities (الجامعات الرقمية)، والمؤسسات غير الربحية ذات النفع العام، وفتح المجال أمام International Branch Campuses (فروع الجامعات الأجنبية)⁴، بما يساهم في تنويع العرض الأكاديمي وتوسيع انفتاح المنظومة على الفضاء الدولي. وفي الجانب البيداغوجي، يسعى النص إلى إدخال أنماط تكوين حديثة مثل E-learning (التعليم عن بعد) وAlternance (التكوين بالتناوب)، في أفق جعل الجامعة أكثر مرونة وانسجاماً مع حاجيات سوق الشغل. كما يضع الطالب في قلب العملية التعليمية من خلال تحديد حقوقه وواجباته، وتعزيز الدعم الاجتماعي، وتحسين أوضاع الموارد البشرية الأكاديمية والإدارية، وتوجيه البحث العلمي نحو International Standards (المعايير الدولية)، خدمةً للابتكار والتنمية.

غير أن عدداً من الهيئات الأكاديمية الاستشارية الوطنية عبّرت عن ملاحظات دقيقة بخصوص المشروع، معتبرة أن تقسيمه إلى عشرة أجزاء جاء غير متوازن، وأن ديباجته لا تتعدى كونها Déclaration d’intentions (إعلان نوايا) تفتقر إلى إلزامية وآليات التفعيل. كما أُشير إلى أن الإحالة المفرطة على نصوص تنظيمية لاحقة في قضايا جوهرية قد تُضعف من القوة التشريعية للنص، وتحد من فعاليته في قيادة السياسة العمومية في قطاع التعليم العالي⁵.

على الصعيد المقارن، لا يمكن قراءة هذا المشروع خارج المرجعيات الدولية. فقد نص Bologna Declaration (إعلان بولونيا 1999) على نظام موحّد يقوم على ثلاث درجات: Licence–Master–Doctorat (إجازة–ماستر–دكتوراه)، واعتماد ECTS (رصيد النقاط الأوروبي)، وإنشاء وكالات وطنية مستقلة لضمان الجودة، وتشجيع Student Mobility (تنقل الطلبة) و*Employability (قابلية التشغيل)*⁶. وقد تبنت فرنسا هذا النظام منذ 2002 عبر هيئة HCERES المستقلة للتقييم، بينما اعتمدت كندا (كيبيك) نموذجاً يقوم على استقلالية الجامعات في إطار دعم عمومي قوي ورسوم معتدلة، حفاظاً على مبدأ *Equité sociale (العدالة الاجتماعية)*⁷. أما النماذج الأنجلوساكسونية، كما في بريطانيا والولايات المتحدة، فقد رسخت مبدأ University Autonomy (استقلالية الجامعات)، مقروناً بآليات دقيقة للاعتماد الأكاديمي Accreditation (الاعتماد)، وربط التمويل بمؤشرات الأداء *Performance-based Funding (التمويل المبني على الأداء)*⁸. المغرب بدوره تبنى نظام LMD منذ 2003–2004، لكنه ظل يعاني من إكراهات بنيوية مثل الاكتظاظ وضعف البحث العلمي وتدني الاندماج المهني للخريجين، وهي اختلالات يسعى مشروع 59.24 إلى معالجتها⁹.

وطنياً، يتقاطع المشروع مع التوجهات الكبرى للنموذج التنموي الجديد، الذي أكد على ضرورة بناء Inclusive University (جامعة دامجة)، وUniversité de l’innovation (جامعة الابتكار)، وOpen and Internationalised University (جامعة منفتحة وعالمية)، و*Efficient University (جامعة ناجعة)*¹⁰. لكن يبقى التحدي الأكبر هو تفعيل آليات عملية تضمن العدالة الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بضبط رسوم الفروع الأجنبية وتوسيع نظام المنح، حتى لا تتحول الإصلاحات إلى مصدر جديد للفوارق بدل تقليصها.

إن مشروع القانون 59.24، رغم طموحه، يحتاج إلى مراجعة دقيقة لبنيته الداخلية وتدعيم إلزاميته القانونية، عبر إدماج القضايا الجوهرية في نصه بدل الاكتفاء بإحالته إلى مراسيم تنظيمية. كما أن انفتاحه على الشراكة مع القطاع الخاص ينبغي أن يتم في إطار Public Private Partnership (شراكة عمومية–خاصة) لا تمس الطابع العمومي للتعليم العالي، وأن يرتبط التمويل بعقود أداء Performance Contracts (عقود الأداء) تجعل الجامعات مسؤولة عن تحقيق أهداف ملموسة في التكوين والبحث. إن الجامعة المغربية، في نهاية المطاف، مطالبة بأن تجسد مبادئ Excellence académique (التميز الأكاديمي) وEquité sociale (العدالة الاجتماعية)، وأن تكون قاطرةً للتنمية وفضاءً لإنتاج المعرفة، بما ينسجم مع رهانات الدولة في بناء مغرب العدالة والمعرفة.

الهوامش:

1. بلاغ الأمانة العامة للحكومة حول المصادقة على مشروع القانون 59.24، 28 غشت 2025.

2. القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ظهير 1.19.113 بتاريخ 9 غشت 2019.

3. اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التقرير العام، ماي 2021.

4. مذكرة تقديم مشروع القانون 59.24، الأمانة العامة للحكومة، 2025.

5. ملاحظات هيئات أكاديمية وطنية بخصوص مشروع القانون 59.24، غشت 2025.

6. Bologna Declaration, 1999 – European Higher Education Area (EHEA).

7. HCERES (France)، Ministère de l’Enseignement Supérieur (Québec).

8. QAA (UK) – Quality Assurance Agency؛ US Regional Accreditation Boards (NECHE, MSCHE, etc.).

9. البنك الدولي وOECD، تقارير حول التعليم العالي بالمغرب، 2017–2022.

10. تقرير النموذج التنموي الجديد، محور التعليم العالي، 2021.

جميع الحقوق الفكرية والأدبية محفوظة للكاتب: د. امحمد أقبلي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: المحتوى محمي !!
Close

تم الكشف عن مانع للإعلانات

يرجى إيقاف مانع الإعلانات للاستمرار في التصفح

نلاحظ أنك تستخدم مانعاً للإعلانات. يعتمد موقعنا على عائدات الإعلانات لتقديم محتوى مجاني عالي الجودة. نشكرك على إيقاف مانع الإعلانات وإعادة تحميل الصفحة للوصول إلى المحتوى.

نشكركم على دعمكم!