بعد سنوات من الترقب، أمطار الخير تعيد الحياة إلى الأرض بجهة بني ملال-خنيفرة

على امتداد سهول تادلة الخصبة، حيث ت عانق الأرض السماء في لوحة ربيعية آسرة، استعادت الحقول خ ضرتها وبهائها بعد سنوات من الجفاف. سنابل القمح الفتية تتمايل مع نسمات مارس الندية، بينما ينشغل الفلاحون بتفقد زراعاتهم بفرح عارم لكن بحذر أيضا، عقب سبع سنوات متتالية طبعتها قساوة الطبيعة.
بإحدى الضيعات الفلاحية بمنطقة سيدي عيسى بإقليم الفقيه بن صالح، تبدو مؤشرات موسم فلاحي واعد. الأرض التي أنهكها الجفاف وندرة المياه، عادت هذا العام لتنبض بالحياة، وقد ألبستها الأمطار الأخيرة حلة خضراء تبعث التفاؤل في نفوس الفلاحين.
وسط حقول شاسعة يتوقف حسن الهاني، وهو أحد فلاحي المنطقة، ليتأمل زراعاته المتنوعة وقد بدت عليها بوادر حصاد وفير وعالي الجودة، مع توفر المياه، عصب الفلاحة والحياة مع ا.
بنبرة يغلب عليها الارتياح، أكد الهاني لوكالة المغرب العربي للأنباء أن الأمطار الاستثنائية المسجلة خلال الأشهر الأخيرة “أعادت الحياة إلى الأرض والثقة إلى الفلاحين لمواصلة العمل بعد سنوات جفاف قاسية”.
وبحسب الهاني، ينتظر الفلاح دائما موسم أمطار جيد لنجاح الموسم الفلاحي، إذ تشكل المياه شريان هذا النشاط، وتدعم كل مراحل الإنتاج الزراعي والحيواني والنباتي. وهذه السنة، يضيف المتحدث، يتطلع الفلاحون إلى انخفاض تكاليف الإنتاج والأعلاف التي أثقلت كاهل المهنيين خلال السنوات الفارطة.
التفاؤل ذاته يكاد يسود كافة المناطق الفلاحية بجهة بني ملال-خنيفرة، هذه الجهة الفلاحية الرائدة بالمملكة، والتي سجلت، منذ منتصف دجنبر المنصرم، تساقطات مطرية وثلجية مهمة واستثنائية أنهت سنوات من القلق الذي خيم على الحقول والقرى.
وفي هذا السياق، تشير معطيات قدمها رئيس قسم التنمية الفلاحية بالمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بتادلة – الفقيه بن صالح، خالد عاصم، إلى تسجيل ما مجموعه 448,4 ملمتر من التساقطات المطرية بالجهة إلى حدود اليوم، أي بزيادة قدرها 87,5 بالمائة مقارنة مع الموسم الفلاحي الماضي، وزيادة بـ22,6 بالمائة مقارنة مع المعدل المسجل خلال الثلاثين سنة الماضية.
وأوضح السيد عاصم، في تصريح مماثل، أن الجهة سجلت أيضا تساقطات ثلجية مهمة بالمناطق الجبلية، وخاصة بأقاليم أزيلال وبني ملال وخنيفرة، تجاوز سمكها في بعض المرتفعات ثلاثة أمتار، وهو ما عزز الموارد المائية السطحية وغذ ى الفرشات المائية التي تشكل ركيزة أساسية للنشاط الفلاحي.
وأضاف المسؤول أن هذه الظروف المناخية المواتية انعكست إيجابا على الدينامية الفلاحية، حيث بلغت المساحات الإجمالية المستغلة خلال الموسم الحالي حوالي 526 ألف و700 هكتار.
وتتوزع هذه المساحة أساسا بين الحبوب الخريفية، التي تغطي حوالي 430 ألف هكتار، إلى جانب الزراعات الكلئية التي تمتد على أكثر من 41 ألف هكتار، والزرع المباشر والقطاني والخضراوات الخريفية والشتوية، فضلا عن زراعة الشمندر السكري التي تناهز مساحتها 10 آلاف و470 هكتارا.
وأشار السيد عاصم إلى أن الزراعات الربيعية والصيفية ستستفيد بدورها من وفرة الموارد المائية، خاصة في ظل التحسن الملحوظ لحقينة السدود الرئيسية بالجهة، وخاصة سد أحمد الحنصالي الذي سجل نسبة ملء قاربت 72 بالمائة، فيما سجل سد بين الويدان نسبة ملء تناهز 78 بالمائة إلى حدود الـ10 من مارس الجاري.
ولا يرتبط نجاح الموسم الفلاحي بوفرة المياه فحسب، بل يعتمد أيضا على التدبير التقني الجيد للضيعات الفلاحية. فقد أتاح استقرار الأحوال الجوية إبان الموسم الفرصة للفلاحين لإجراء عدد من التدخلات التقنية في الحقول، من ضمنها إزالة الأعشاب الضارة ومعالجة بعض الأمراض الفطرية، وهي إجراءات ضرورية للحفاظ على جودة المزروعات وتحسين مردوديتها.
كما كان لهذه التساقطات المطرية أثر إيجابي على المراعي الطبيعية التي استعادت عافيتها، باعتبارها مصدرا رئيسيا للكلأ الطبيعي، ت قلص الاعتماد على الأعلاف المركبة، وهو ما يمثل متنفسا حقيقيا لمربي الماشية بالجهة.
وبين سهول تادلة الخصبة ومرتفعات الأطلس الشامخة، تستعيد جهة بني ملال-خنيفرة هذا الموسم إيقاعها الفلاحي الطبيعي، بعد سنوات صعبة فرضتها تقلبات المناخ وندرة المياه، وتتعزز أيضا علاقة الفلاحين الأزلية بالتربة والأرض.
وبين خضرة السنابل وانتعاش المراعي وامتلاء السدود، يتجدد الأمل في عطاء الأرض، وموسم فلاحي يعيد الثقة إلى الفلاحين ويعزز دينامية الاقتصاد القروي، ويؤكد مرة أخرى أن الأرض، مهما قست عليها الطبيعة، تظل قادرة على العطاء.



