محمد جماع يكتب من تأطير المواطن إلى تأطير الحفل: حين تتحول السياسة إلى موسم للانتقالات والغناء


محمد جماع
أستاذ التعليم الثانوي التاهيلي مادة التاريخ والجغرافيا وباحث في الجغرافيا الاجتماعية والسياسية


في كل موسم سياسي، يتغيّر المشهد بالإيقاع نفسه تقريبًا
، وجوه سياسية تنتقل من حزب إلى لآخر، ولقاءات جماهيرية تُنظَّم هنا وهناك، ومنصات تُنصب، ومكبرات صوت تصدح بالأغاني والشعارات، حتى يقترب اللقاء السياسي أحيانًا من هيئة المهرجان الشعبي أكثر مما يقترب من هيئة عرض لبرنامج حزب سياسي.

قد يكون بعض ذلك جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية، فالأحزاب تحتاج إلى قنوات للتواصل مع المواطنين، والانتخابات تقتضي حملة وتعبئة وإقناعًا، غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية أكاديمية، لا فقط بانفعال رأي، هو أين تنتهي وظيفة التواصل السياسي، وأين يبدأ الاستعراض الانتخابي بوصفه بديلاً عن المضمون؟

المشكلة، من هذا المنظور، ليست في أن يغنّي سياسي أو يشارك في احتفال، وليست في أن تنتقل شخصية من حزب إلى آخر، فالتعددية وإعادة التموضع الحزبي مكفولتان قانونًا وسياسيًا، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الانتقال بين الأحزاب أيسر من الانتقال من الخطاب إلى الإنجاز، وحين يصبح تنظيم الحفل أسرع إنجازًا من صياغة برنامج قابل للقياس والمحاسبة.

من حزب إلى آخر… ومن برنامج إلى آخر؟

بات المواطن المغربي يرى، من حين لآخر، سياسيين يعيدون ترتيب مواقعهم الحزبية بحسب موازين المرحلة، غير أن ما يهم المواطن العادي، من زاوية تحليل السياسات العامة، ليس معرفة انتماء هذا السياسي أو ذاك، بقدر ما هو الإجابة عن أسئلة أكثر جوهرية: هل سيجد الشاب عملاً؟ هل ستنخفض كلفة المعيشة فعليًا؟ هل ستتحسن المدرسة العمومية؟ هل سيصل الطريق والماء والمرفق الصحي إلى الدواوير النائية؟ هل تتقلّص الفوارق بين المركز والهامش؟

وهنا تبرز مفارقة مركزية في العمل السياسي المحلي، كلما ارتفع منسوب الخطاب، لا يرتفع بالضرورة منسوب قدرة المواطن على التأثير في القرار العمومي.

الأرقام لا ترقص: قراءة في مؤشرات سوق الشغل:

تُظهر أحدث مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق تراجع، على المستوى الوطني، إلى 9.5% خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعدما كان في حدود 10.8%خلال الفصل الأول من السنة ذاتها؛ أي بتراجع قدره 1.3 في المائة، ويتوزع هذا المعدل بشكل متفاوت مجاليًا، 11.9% في الوسط الحضري مقابل 5.4% فقط في الوسط القروي، وهو فارق يعكس، من جهة اتساع سوق الشغل غير المهيكل بالبوادي، ومن جهة أخرى محدودية تسجيل العاطلين القرويين ضمن التصنيف الإحصائي الضيق للبطالة.

غير أن المتوسط الوطني يخفي تفاوتات أكثر حدة داخل الفئات، فقد بلغ معدل البطالة في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة 27.2%، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المعدل الوطني، فيما وصل معدل بطالة النساء إلى 14.8% مقابل 8.1% فقط لدى الرجال أي بفارق يقارب الضعف، كما تكشف المعطيات ذاتها عن معدل بطالة مرتفع نسبيًا لدى حاملي الشهادات العليا (16.7%)، وهي إشارة إلى مشكلة بنيوية في ملاءمة التكوين لسوق الشغل، لا مجرد نقص في فرص العمل.

وعلى صعيد خلق فرص العمل، أحدث الاقتصاد الوطني، بين سنتي 2024 و2025، نحو 193 ألف منصب شغل صافٍ، غير أن هذا الرقم يخفي تفاوتًا مجاليًا صارخًا: 203 آلاف منصب أُحدثت في الوسط الحضري، مقابل فقدان 10 آلاف منصب في الوسط القروي، وهنا تحديدًا ينبغي أن تنتقل السياسة من لغة الأرقام المجرّدة إلى سؤال العدالة المجالية: لماذا تبتعد الفرص الاقتصادية كلما ابتعد المرء عن المركز الحضري؟

في البادية… السياسة لها عنوان آخر:

في القرى والمناطق النائية، لا تُقاس السياسة بعدد السيارات التي تدخل الدوار في موسم الانتخابات، ولا بعدد الحاضرين حول منصة انتخابية، ولا بعدد الأغاني التي رافقت اللقاء. السياسة هناك تُقاس بالطريق، والماء، والمدرسة، والمستوصف، والنقل، وفرص العمل، وبقدرة الشاب على بناء مستقبله دون أن يضطر إلى مغادرة مجاله الترابي بحثًا عن فرصة عمل.

فالتنمية الترابية، من منظور تحليل السياسات، لا تعني فقط ضخ الأموال في المشاريع، بل بناء قدرة محلية على خلق الثروة والفرص والخدمات المستدامة،ولهذا فإن المواطن القروي لا يحتاج إلى من يخبره بأنه “مناضل” أو “ابن المنطقة”، بل يحتاج إلى من يشرح له بالأرقام والآجال والمسؤوليات، كيف سيتغيّر واقعه.

الغناء ليس المشكلة… غياب البرنامج هو المشكلة:

ليس من العدل تحميل الغناء أو الفلكلور أو الاحتفال مسؤولية الأزمة السياسية، فالفرح جزء من الثقافة، والاحتفال جزء من الحياة الاجتماعية، بل إن توظيف الثقافة المحلية في التواصل السياسي قد يكون أداة مشروعة للتقرب من المواطنين.

لكن المشكلة تظهر حين يحل الاحتفال محل السياسة، ويصبح الصوت أعلى من مضمون البرنامج، وتصبح صورة المرشح أهم من مشروعه، ويتحول التصفيق إلى معيار للنجاح السياسي. فالحملة الانتخابية، في جوهرها، ينبغي أن تكون لحظة للتأطير والتفسير والإقناع والمساءلة: ماذا سنفعل؟ كيف سنفعله؟ كم سيكلف؟ متى يبدأ التنفيذ؟ ومن سيُحاسَب إن لم يتحقق الهدف؟ وهنا يكمن الفرق الجوهري بين المواطن بوصفه متلقيًا للفرجة، والمواطن بوصفه فاعلاً سياسيًا وشريكًا في القرار.

نحتاج إلى سياسي يشرح… لا سياسي يُصفَّق له:

المواطن المغربي ليس مجرد جمهوربل إنه دافع ضرائب، ومستعمل للمرفق العمومي، وتلميذ سابق في المدرسة العمومية، وأب لطفل يبحث عن مقعد دراسي، وشاب يبحث عن عمل، وفلاح يواجه تقلبات المناخ والأسواق، وموظف يواجه ارتفاع تكاليف الحياة، واحترام هذا المواطن يبدأ من احترام عقله وقدرته على مقارنة الوعود بالنتائج.

فإذا أراد حزب سياسي كسب ثقة الناخب، ينبغي أن يخاطبه بلغة أكثر جدية: هذه هي المشكلة، وهذه أسبابها، وهذه كلفة الحل، وهذا هو الجدول الزمني، وهذه هي الجهة المسؤولة، وهذه هي المؤشرات التي سنقبل أن نُحاسَب عليها، عندها فقط تتحول الحملة الانتخابية من مجرد تعبئة للناخبين إلى عقد سياسي وأخلاقي معهم.

سياسة ضد الفراغ، لا ضد الفرح:

المطلوب ليس أن تختفي الموسيقى من الحملات، ولا أن يتوقف السياسي عن التواصل مع المواطنين في أجواء شعبية، المطلوب هو ألا يصبح الغناء بديلاً عن البرنامج، والتنقل بين الأحزاب بديلاً عن وضوح الموقف، والصور الجماعية بديلاً عن المحاسبة، والتصفيق بديلاً عن الإقناع.

فخلف نسبة البطالة الوطنية البالغة 9.5% في الفصل الثاني من 2026، هناك ما يزيد على مليون شخص، بحسب معطيات المندوبية، ينتظرون فرصة عمل، وخلف نسبة 27.2% لدى الشباب، هناك سنوات من الدراسة وتطلعات مؤجلة، وخلف كل ارتفاع في تكاليف الغذاء والسكن، هناك أسر تعيد ترتيب أولوياتها كل شهر، هذه ليست أرقامًا للزينة في تقرير اقتصادي، بل مؤشرات على واقع بشري ملموس.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل لقاء انتخابي ليس: من غنّى أكثر؟ ومن جمع جمهورًا أكبر؟ ومن انتقل إلى أي حزب؟ بل: من قدّم برنامجًا أكثر واقعية؟ ومن امتلك الشجاعة ليقول للمواطن ما يستطيع فعله وما لا يستطيع؟ ومن سيقبل أن يُحاسَب بعد انتهاء موسم الانتخابات؟

تلك هي السياسة التي يحتاجها المغرب اليوم، سياسة تنقل المواطن من موقع المتفرج إلى موقع الشريك، ومن التصفيق إلى المشاركة، ومن الوعود إلى المؤشرات، ومن الحملة إلى المحاسبة. أما الرقص والغناء، فليُترَكا للفرح مكانه، فالبلاد لا تُدار بالتصفيق، والتنمية لا تُنجَز بالشعارات، والثقة لا تُبنى بالموسيقى، وإنما بالعمل والنتائج القابلة للقياس والمحاسبة.

مصادر المعطيات الإحصائية: المذكرات الإخبارية للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل (الفصل الأول والثاني من 2026، وحصيلة سنة 2025) وحول الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك (2025-2026)؛ وقراءة نقدية لمعهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية بالرباط لمعطيات الفصل الثاني من 2026 حول مؤشر الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة.

 

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: المحتوى محمي !!
Close

تم الكشف عن مانع للإعلانات

يرجى إيقاف مانع الإعلانات للاستمرار في التصفح

نلاحظ أنك تستخدم مانعاً للإعلانات. يعتمد موقعنا على عائدات الإعلانات لتقديم محتوى مجاني عالي الجودة. نشكرك على إيقاف مانع الإعلانات وإعادة تحميل الصفحة للوصول إلى المحتوى.

نشكركم على دعمكم!