طارق ياسيني يكتب : احداث شمال المغرب حين يُكذب الواقع لغة الأرقام


ليست الأوطان بما يقال عنها في المنابر الرسمية، وإنما بما يشعر به مواطنوها في حياتهم اليومية، فبين الخطاب الذي يحتفي بالإنجازات، والواقع الذي يختبره الناس كل يوم، تتحدد حقيقة السياسات العمومية، وتتجلى درجة الثقة في المؤسسات.

لقد أعادت الأحداث التي عرفها شمال المغرب طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المسؤولية السياسية وحدودها، ففي الديمقراطيات الراسخة، لا تقاس قوة الحكومات بقدرتها على تبرير الإخفاقات او بالبودكاسات الاشهارية، بل بجرأتها على تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عندما تقع أزمات كبرى تمس المواطنين، حيث أن مساءلة المسؤولين، ليست ترفا سياسيا، بل إحدى ركائز الحكامة الجيدة وتجسيدا فعليا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي نص عليه الدستور.

غير أن ما يثير القلق ليس الحدث في حد ذاته، بل الاعتياد على أن تمر الأزمات دون أن تفضي إلى مراجعات حقيقية أو محاسبة سياسية واضحة، وكأن الإخفاقات أصبحت مجرد أخبار عابرة، لا تترك أثرا في طريقة تدبير الشأن العام، ولا تدفع إلى مساءلة السياسات أو المسؤولين عن تنفيذها.

وفي المقابل، يتواصل تسويق الأرقام والحديث عن الإنجازات، بينما يبعث الواقع برسائل مختلفة تماما. فحين تكشف استطلاعات الرأي أن نسبة 70 بالمائة من المغاربة، وخاصة الشباب، تفكر في الهجرة، وأن نسبة مماثلة تعزف عن المشاركة السياسية، فإن الأمر لا يتعلق بمؤشرات معزولة، بل بتعبير عن أزمة ثقة ينبغي التعامل معها بجدية، فالمواطن الذي يفقد الثقة في إمكانية التغيير داخل وطنه، يبدأ بالبحث عن مستقبله خارجه، ويختار الصمت السياسي لأنه لم يعد يؤمن بجدوى المشاركة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس ارتفاع مؤشرات البطالة وحدها، ولا تراجع القدرة الشرائية فقط، بل اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، فعندما يشعر المواطن بأن صوته لا يسمع، وأن الكفاءة تتراجع أمام النفوذ، وأن سلطة المال أصبحت أكثر تأثيرا من سلطة الفكر والبرامج في تشكيل المشهد السياسي، فإن ذلك يضعف الإيمان بالعمل السياسي ويغذي الإحساس بالإقصاء.

إن الأزمة اليوم ليست مجرد أزمة مؤشرات اقتصادية أو اجتماعية، بل هي أزمة ثقة في العدالة والإنصاف، فالمغاربة لا يطالبون بالمستحيل، ولا ينتظرون المعجزات، وإنما يتطلعون إلى دولة يشعر فيها الجميع بأن القانون يطبق على الجميع، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن الفرص لا توزع وفق موازين النفوذ، بل وفق مبدأ الاستحقاق، حيث ان بناء الثقة لا يتم عبر البلاغات ولا عبر حملات التواصل، بل عبر قرارات شجاعة تعترف بالأخطاء، وتصحح الاختلالات، وتجعل من المحاسبة ممارسة مؤسساتية لا شعارا دستوريا يستدعى عند الحاجة ويغيب عند الأزمات.

اعتقد اعتقادا جازما، قد آن الأوان لأن ندرك أن قوة الدول لا تقاس بعدد المشاريع التي تعلن، بل بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها، وصيانة حقوقهم، وإقناعهم بأن الوطن يتسع للجميع، وأن العدالة ليست امتيازا، بل حقا، وأن المسؤولية ليست وجاهة، بل التزام يترتب عنه الحساب قبل الثناء، فالأوطان لا تنهار عندما تقع فيها الأزمات، وإنما عندما يصبح تجاهلها سياسة، وتغليب الصورة على الحقيقة منهجا، وتتحول لغة الأرقام إلى ستار يحجب واقعا يزداد قسوة. وحينها، لا يكون السؤال: لماذا يريد المواطن الهجرة؟ بل: لماذا فقد الثقة في أن وطنه قادر على منحه الكرامة والعدالة والأمل؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: المحتوى محمي !!
Close

تم الكشف عن مانع للإعلانات

يرجى إيقاف مانع الإعلانات للاستمرار في التصفح

نلاحظ أنك تستخدم مانعاً للإعلانات. يعتمد موقعنا على عائدات الإعلانات لتقديم محتوى مجاني عالي الجودة. نشكرك على إيقاف مانع الإعلانات وإعادة تحميل الصفحة للوصول إلى المحتوى.

نشكركم على دعمكم!