الدكتور والخبير الاقتصادي مصطفى امزيل يكتب :حين تُقاس الدولة بما تُغيّره لا بما تُعلنه قانون مالية 2027 واختبار العدالة الاقتصادية

أستاذ جامعي و باحث في شعبة العلوم الاقتصادية بكلية الاقتصاد و التدبير ببني ملال
حاصل على دكتوراه الدولة في الاقتصاد الدولي
ماستر متخصص في الاقتصاد التطبيقي و المالية البديلة
خبير معتمد في مجالات الابتكار و المالية و الاقتصاد الدولي
ليس قانون المالية مجرّد جدول سنوي للإيرادات والنفقات، ولا وثيقة تقنية تُختزل في نسب النمو وحجم العجز ومبالغ الاستثمار؛ إنّه، في جوهره، إعلانٌ عن اختيارات الدولة، وترتيبٌ لأولوياتها، واختبارٌ لقدرتها على تحويل الموارد المحدودة إلى منافع اجتماعية ملموسة. ومن ثمّ، فإنّ السؤال الأعمق الذي يطرحه مشروع قانون المالية لسنة 2027 ليس كم ستنفق الدولة ؟ بل أيّ اقتصاد تريد أن تبني، ولصالح من ستُعبّأ الموارد، وكيف يمكن قياس المسافة بين الوعود المعلنة والتحوّلات التي يلمسها المواطن في حياته اليومية ؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة في سياق اقتصادي دولي متقلّب، تتداخل فيه المخاطر الجيوسياسية مع اضطراب أسواق الطاقة والمواد الأولية، بينما يواجه الاقتصاد المغربي تحدّيًا مزدوجًا : الحفاظ على زخم النشاط من جهة، وتحويله إلى فرص عمل ودخل مستقر وخدمات عمومية أجود من جهة أخرى. وقد أُقرّ مشروع قانون المالية لسنة 2027 في سياق تتقدّم فيه رهانات القدرة الشرائية، وتوطيد الدولة الاجتماعية، وتحسين الولوج إلى الصحة والتعليم والسكن، إلى جانب تعزيز الاستثمار المنتج والتوازنات المالية. غير أنّ ترتيب هذه الأولويات في الوثائق الرسمية لا يكفي بذاته، إذ تظلّ القيمة الحقيقية لأيّ سياسة رهينة بوضوح أدواتها، وقابلية أهدافها للقياس، ومدى تنفيذها على أرض الواقع.
النمو: من الرقم الإجمالي إلى نوعية الثروة المنتَجة
يقدّر التأطير الماكرو اقتصادي المصاحب لمشروع قانون المالية نموّ الناتج الداخلي الإجمالي بنحو 4.1 في المائة سنة 2027. ويستند هذا السيناريو إلى فرضية موسم فلاحي في حدود 70 مليون قنطار، مع نمو القيمة المضافة الفلاحية بنحو 1.2 في المائة، مقابل نمو الأنشطة غير الفلاحية بنحو 4.3 في المائة. وتُظهر التوقعات نفسها دينامية مرتقبة للقطاع الثانوي في حدود 4.9 في المائة، وللقطاع الثالثي بنحو 4.1 في المائة. وهذه الأرقام، وإن كانت تشير إلى استمرار التوسّع الاقتصادي، تظلّ تقديرات مشروطة بتحقّق الفرضيات التي بُنيت عليها، وليست نتائج محسومة سلفًا.
وتكمن المسألة التحليلية في أن نموًّا بنسبة 4.1 في المائة لا يحمل الدلالة الاجتماعية نفسها في جميع الأحوال. فالأثر التنموي يتوقف على القطاعات التي تقود هذا النمو، ومدى قدرتها على خلق وظائف لائقة، وعلى القيمة المضافة المحلية التي تنتجها، وعلى الروابط التي تنسجها مع المقاولات الصغيرة والمتوسطة. فالنمو الذي يعتمد على أنشطة محدودة التشغيل أو على طلب داخلي مدفوع بالإنفاق وحده قد يرفع الناتج، لكنه لا يضمن بالضرورة تحوّلًا بنيويًا في بنية الإنتاج. أمّا النمو المستند إلى الصناعة ذات القيمة المضافة، والابتكار، والخدمات القابلة للتصدير، والتثمين المستدام للموارد، فيملك قدرة أكبر على توسيع القاعدة الإنتاجية ورفع الإنتاجية وتحسين الأجور على المدى المتوسط.
وتدعم معطيات الظرفية هذا التمييز بين قوة الرقم وهشاشة بعض مصادره. فوفق المندوبية السامية للتخطيط، بلغ نمو الاقتصاد 4في المائة في الفصل الثاني من 2026، بعد 4.6 في المائة في الفصل الأول بحسب مذكرة الظرفية الصادرة في أكتوبر. وفي الفصل الثاني، ارتفعت القيمة المضافة للأنشطة الأولية بقوة، بينما انكمشت القيمة المضافة للقطاع الثانوي بنسبة 3.9 في المائة، وتباطأ تكوين رأس المال إلى 6.8 في المائة بعدما بلغ 10.8 فيالمائة في الفصل السابق. وتُظهر هذه التباينات أنّ الأداء الكلي يمكن أن يخفي اختلافًا حادًّا بين القطاعات، وأنّ استمرار النمو لا يعفي من معالجة مواطن الضعف الصناعي وتعزيز الاستثمار المنتج وتنويع مصادر الثروة. كما أنّ التوقعات الفصلية لبقية 2026 تظلّ تقديرات ظرفية، لا ينبغي الخلط بينها وبين النتائج النهائية للسنة.
القدرة الشرائية: حين لا تكفي استقامة المؤشرات لطمأنة الأسر
قد ينخفض معدّل التضخم من دون أن تعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فالتضخم يقيس وتيرة ارتفاع الأسعار، لا مستوى الأسعار ذاته؛ وإذا تباطأت الوتيرة، فهذا يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ أو تستقرّ نسبيًا، ولا يعني بالضرورة أنّ ما فقدته الأسر من قدرتها الشرائية قد استُعيد. ومن هنا تنشأ الفجوة بين التحسّن الذي قد تعكسه المؤشرات الكلية وبين التجربة اليومية للأسر، ولا سيما ذات الدخل المحدود التي يذهب جزء كبير من إنفاقها إلى الغذاء والسكن والنقل والطاقة والخدمات الأساسية.
وتفيد مذكرة المندوبية السامية للتخطيط لشهر أكتوبر 2026 بأنّ التضخم ظلّ دون 2 في المائة في السياق الذي تناولته المذكرة، مع استمرار الطلب الداخلي محركًا للنشاط. غير أنّ قراءة القدرة الشرائية لا يجوز أن تتوقف عند هذا المؤشر وحده، بل ينبغي أن تضعه في مواجهة تطور الأجور الحقيقية، ونفقات السكن، وكلفة النقل، وأسعار المواد الأساسية، والتحويلات الاجتماعية، ومعدلات المديونية الأسرية. وقد أشار المصدر نفسه إلى نمو الاستهلاك النهائي للأسر بنسبة 4.1 في المائة في الفصل الثاني، بالتوازي مع ارتفاع القروض الموجهة للأسر بنسبة 4.5 في المائة في نهاية يونيو، مقابل 3.9 في المائة في نهاية مارس. ولا يثبت ذلك بمفرده أنّ الاستهلاك ممول بالاقتراض على نحو مقلق، لكنه يستدعي مراقبة جودة هذا النمو ومدى استناده إلى تحسن مستدام في الدخل لا إلى توسيع الالتزامات المالية للأسر.
وعليه، فإنّ استعادة القدرة الشرائية لا تتحقق بإجراءات ظرفية وحدها، ولا بتعليق الآمال على تراجع التضخم؛ بل تتطلب سياسة متكاملة تجمع بين المنافسة الفعلية في الأسواق، ومراقبة الممارسات المخلة بها، وتحسين شفافية سلاسل التوزيع، ورفع الإنتاجية، وتعزيز الدخل المتاح، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه وفق معايير واضحة. كما أن أيّ تدبير اجتماعي ينبغي تقييمه وفق أثره الصافي على الأسر، لا وفق قيمته الاسمية فقط؛ إذ قد تلتهم الزيادات في كلفة الخدمات الأساسية جزءًا من المنفعة المتحققة من الدعم أو الزيادة في الدخل.
التشغيل: المعيار الذي يكشف مدى اتصال النمو بالمجتمع
يبقى التشغيل الحلقة الأكثر حساسية في تقييم السياسة الاقتصادية، لأنّ العمل ليس مجرد متغير في حسابات الناتج؛ بل هو مصدر الدخل والاستقلال الاقتصادي والاندماج الاجتماعي. ومن ثمّ، فإنّ نجاح قانون المالية لا يُقاس بعدد المشاريع المعلنة أو الاعتمادات المرصودة فقط، بل بعدد فرص العمل الصافية التي تُحدثها، واستقرارها، ومستوى الأجر الذي توفره، ومدى ملاءمتها لمؤهلات الشباب والنساء وحاجات الجهات المختلفة.
ويقتضي التحليل الدقيق الانتباه إلى تغيير منهجي مهم: فقد شرع المغرب سنة 2026 في اعتماد الجيل الجديد من مسوح اليد العاملة، الذي يعرّف التشغيل بوصفه عملًا مقابل أجر أو ربح، ويعتمد مفهوم البطالة الصارمة، ويوسّع قياس عدم الاستغلال الكامل لقوة العمل. لذلك لا يصحّ وضع أيّ رقم جديد للبطالة في مقارنة مباشرة مع السلاسل القديمة من دون مراعاة اختلاف التعاريف والمنهجية. وتؤكد هذه النقطة أنّ جودة القرار العمومي تبدأ أيضًا من جودة القياس، فالمؤشر الذي لا يُقرأ في ضوء تعريفه قد يقود إلى استنتاجات مضللة أو إلى تقييم غير منصف للسياسات.
ويحتاج تقليص البطالة إلى تجاوز الفصل التقليدي بين سياسة الاستثمار وسياسة التشغيل. فالحوافز الموجهة للمقاولات ينبغي أن ترتبط، حيثما كان ذلك ملائمًا، بمؤشرات قابلة للتحقق تتصل بإحداث فرص العمل والتكوين والإدماج المهني والاستقرار الوظيفي. كما ينبغي تعزيز الصلة بين الجامعة والتكوين المهني وحاجات النسيج الإنتاجي، مع عدم اختزال المشكلة في نقص المهارات وحده، فخلق الوظائف يتطلب أيضًا طلبًا استثماريًا فعّالًا، ومناخ أعمال منصفًا، وتمويلًا متاحًا للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتوزيعًا مجاليًا أكثر توازنًا للأنشطة الاقتصادية.
الاستثمار: من تعبئة الاعتمادات إلى بناء القدرة الإنتاجية
يُنتظر، وفق التأطير الماكرو اقتصادي المصاحب للمشروع، أن يرتفع تكوين رأس المال الثابت بنسبة 4.6 في المائة في 2027، مقابل 4 في المائة في 2026، وأن تنمو صادرات السلع والخدمات بالحجم بنسبة 7.3 في المائة، مقابل زيادة الواردات بنسبة 7 في المائة. وهذه التوقعات تجعل الاستثمار والتجارة الخارجية عنصرين مركزيين في اختبار النموذج الاقتصادي. غير أنّ ارتفاع الاستثمار لا يضمن وحده تحسن الأداء إذا لم يُترجم إلى طاقات إنتاجية إضافية، ونقل للتكنولوجيا، وإدماج للموردين المحليين، وتوسيع للقاعدة التصديرية.
لذلك ينبغي التمييز بين الاستثمار الذي يوسّع القدرة الإنتاجية والاستثمار الذي يظلّ أثره محدودًا أو مؤقتًا. فالمشاريع العمومية الكبرى يمكن أن تحسّن البنية التحتية وتخلق طلبًا اقتصاديًا، لكن مردوديتها الطويلة تتوقف على اختيارها وفق حاجات واضحة، وعلى جودة الإنجاز والصيانة، وعلى قدرتها على جذب الاستثمار الخاص وتخفيض كلفة الإنتاج والنقل. كما أن تحفيز الاستثمار الخاص يتطلب وضوح القواعد، وتيسير الولوج إلى العقار والتمويل، وتسريع المساطر، وضمان منافسة لا تُقصي المقاولات الصغرى ولا تجعل فرص الاستثمار حكرًا على الفاعلين الأكثر قدرة على النفاذ إلى الموارد.
وتُظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أنّ حاجيات تمويل الاقتصاد بلغت 22 مليار درهم في الفصل الثاني من 2026، مقابل 10.3 مليارات درهم في الفترة نفسها من السنة السابقة، في سياق اتساع العجز التجاري وارتفاع فاتورة الطاقة وتزايد الحاجات المرتبطة بالإنفاق العمومي والاستثمار. وهذه الإشارة لا تعني بذاتها وجود اختلال غير قابل للمعالجة، لكنها تبرز أهمية تقييم العلاقة بين الاستثمار والادخار والصادرات والواردات، والحرص على أن ترفع المشاريع الممولة من المال العام القدرة المستقبلية للاقتصاد على الإنتاج والتصدير، بدل أن تتحول إلى طلب إضافي على الواردات دون أثر كافٍ على القيمة المضافة المحلية.
الدولة الاجتماعية: الإنفاق حقّ، والنجاعة شرط للاستدامة
يضع مشروع قانون المالية 2027 قضايا الدولة الاجتماعية، بما فيها دعم القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، والسكن، ضمن أولوياته. وهي اختيارات تتصل بجوهر العقد الاجتماعي، لأنّ التنمية لا تكتسب مشروعيتها من ارتفاع الثروة الإجمالية فحسب، بل من اتساع دائرة الانتفاع بها ومن ضمان حدّ أدنى من تكافؤ الفرص. غير أنّ الإنفاق الاجتماعي لا يُقاس بحجمه الاسمي فقط، بل بمدى وصوله إلى الفئات المستهدفة، وبجودة الخدمات المقدمة، وبالفوارق التي ينجح في تقليصها بين الوسطين الحضري والقروي وبين الجهات.
وفي الصحة والتعليم، لا تكمن المسألة في زيادة الاعتمادات وحدها، بل في تحويل الموارد إلى نتائج: مؤسسات مجهزة، وأطر كافية، وتوزيع عادل للموارد البشرية، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين جودة التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، ورفع قدرة الأسر على الولوج إلى خدمات عمومية موثوقة. فالميزانية التي ترتفع نفقاتها من دون أن تتحسن النتائج قد تكشف عن ضعف في الحكامة أو سوء في تخصيص الموارد، لا عن نقص مالي فقط. ولهذا تصبح مؤشرات الأداء والشفافية والتقييم المستقل أدوات ضرورية لربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أنّ العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن العدالة المجالية. فالتفاوت في الولوج إلى المدرسة الجيدة أو العلاج أو النقل أو الماء أو فرص الشغل يحدّ من قدرة المواطن على تحويل مؤهلاته إلى فرص فعلية. ومن ثمّ، فإنّ البرامج الترابية المندمجة ينبغي أن تُبنى على تشخيص دقيق لحاجات كل مجال، وأن تُنسّق بين البنية التحتية والخدمات والأنشطة الاقتصادية، وأن تُنشر بشأنها أهداف زمنية ومؤشرات إنجاز واضحة. ويظلّ تخصيص الموارد للجهات الأقل استفادة أكثر عدلًا وفعالية حين يقترن بحكامة محلية قادرة على التنفيذ والتتبع والتصحيح.
العجز والدين: لا استدامة مالية بلا مردودية اجتماعية واقتصادية
يستهدف التوجه المالي المعلن مواصلة خفض عجز الميزانية إلى نحو 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. وهو هدف يعكس أهمية الحفاظ على الثقة في المالية العمومية وعلى قدرة الدولة على تمويل أولوياتها في بيئة دولية لا تخلو من المخاطر. لكنّ ضبط العجز لا ينبغي أن يتحول إلى غاية محاسبية منفصلة عن التنمية،فالتوازن المالي المستدام هو الذي يوفّق بين تعبئة الموارد، والتحكم في النفقات غير المنتجة، وحماية الاستثمار ذي المردودية، وتمويل الخدمات الأساسية. كما أن تقليص العجز عبر تأجيل الصيانة أو إضعاف جودة الخدمات قد يحسّن الحسابات الآنية، لكنه ينقل الكلفة إلى المستقبل.
والسؤال الحاسم ليس فقط كم تبلغ المديونية، بل في ماذا تُستخدم الموارد المقترضة، وما العائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع منها، وهل تخلق أصولًا وقدرات ترفع الإنتاجية والإيرادات المستقبلية ؟ فالاقتراض لتمويل بنية تحتية ذات مردودية واضحة يختلف في أثره عن الاقتراض لتغطية نفقات جارية متكررة لا تترك أثرًا إنتاجيًا طويل الأجل. ومن هنا تبرز ضرورة نشر معلومات مفهومة حول كلفة الدين، وآجاله، ومخاطره، وعلاقته بالاستثمار العمومي، مع إخضاع المشاريع الكبرى لتقييم مسبق ولاحق يبيّن مدى تحقق الأهداف المعلنة.
وفي جانب الموارد، تظلّ العدالة الجبائية وحسن التحصيل وتوسيع الوعاء ومحاربة التهرب والتقليص من الامتيازات غير الفعالة عناصر أساسية لتوفير هامش مالي إضافي. فليس من الإنصاف أن تتحمل الفئات الملتزمة بالقواعد العبء الأكبر، بينما تتسع منافذ الإفلات أو تتكرر الإعفاءات من دون قياس واضح لمردوديتها. كما ينبغي تقييم النفقات الجبائية باعتبارها إنفاقًا غير مباشر: فإذا مُنحت امتيازات ضريبية، وجب بيان كلفتها، والفئة المستفيدة منها، وعدد الوظائف أو الاستثمارات التي ساهمت في خلقها، وإمكانية بلوغ الهدف نفسه بكلفة أقل.
من الوعود إلى المساءلة: كيف يُقاس نجاح قانون المالية؟
إنّ الانتقال من إعلان الأولويات إلى تحقيق النتائج يقتضي إطارًا واضحًا للمساءلة. وينبغي أن تكون لكلّ أولوية كبرى أهداف قابلة للقياس، وخط أساس معلوم، وآجال تنفيذ، ومؤشرات اجتماعية ومجالية، وجهة مسؤولة عن الإنجاز. فبدل الاكتفاء بالإعلان عن حجم الاعتمادات أو عدد المشاريع، يمكن تتبع كلفة إحداث فرصة العمل، ونسبة المشاريع المنجزة في موعدها، وتطور زمن الولوج إلى العلاج، ومعدلات الهدر المدرسي، وحصة المقاولات الصغيرة من الصفقات، والفوارق في الاستفادة بين الجهات. بهذه الطريقة يتحول النقاش حول الميزانية من سجال حول النوايا إلى تقييم للأثر.
كما تقتضي الحكامة نشر بيانات التنفيذ بصورة دورية ومبسطة، وشرح أسباب الانحراف عن الأهداف، والتمييز بين التأخر الإداري والتعثر المالي وضعف التصميم الأولي. ولا ينبغي أن تُفهم المحاسبة بوصفها بحثًا عن المسؤولية الفردية فحسب، بل باعتبارها آلية للتعلم المؤسسي وتصحيح السياسات. فالدولة الفعّالة ليست التي لا تخطئ، بل التي تمتلك مؤسسات قادرة على اكتشاف الخلل مبكرًا، وتصحيح المسار، وتقديم تفسير علني ومقنع للمواطنين.
الميزانية عقدٌ مع المستقبل
في المحصلة، يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 المغرب أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على نموّ اقتصادي متين، وتحويله إلى فرص عمل ودخل، وتقوية الدولة الاجتماعية، وتضييق الفوارق المجالية، مع صون التوازنات المالية في محيط دولي مضطرب. وتُظهر الأرقام المتاحة أنّ الاقتصاد يمتلك عناصر صمود، لكنها تكشف أيضًا عن تفاوتات قطاعية ومخاطر تمويلية لا تسمح بالاكتفاء بالاطمئنان إلى المؤشرات الإجمالية. فالتوقعات تظلّ رهينة فرضياتها، والإنفاق لا يساوي أثرًا تلقائيًا، والاستثمار لا يصبح تنمية إلا حين يوسّع القدرة الإنتاجية ويخلق فرصًا ذات جودة.
ولعلّ المعيار الأعمق للحكم على هذا القانون ليس ما إذا كان يعلن أرقامًا طموحة، بل ما إذا كان يغيّر شروط الحياة والفرص: هل يجد الشاب عملًا كريمًا؟ هل تستطيع الأسرة تلبية حاجاتها الأساسية من دون استنزاف دخلها؟ هل يحصل المواطن على تعليم وعلاج جيدين بصرف النظر عن مكان إقامته؟ وهل تتوزع ثمار النمو على نحو أوسع وأكثر إنصافًا؟ هنا تحديدًا تُختبر السياسة المالية بوصفها اختيارًا أخلاقيًا واقتصاديًا في آن واحد. فالدولة لا تُقاس بما ترصده في الجداول وحدها، بل بما تصنعه تلك الموارد من إمكانات وكرامة وثقة. وحين تصبح النتائج قابلة للقياس، والمساءلة ممكنة، والفرص أكثر عدلًا، يغدو قانون المالية أكثر من وثيقة سنوية: يغدو عقدًا متجددًا بين المجتمع ومستقبله.



