زكرياء حميد يكتب : تهميش المقاولات المحلية في تنظيم التظاهرات… إلى متى يستمر تكريس مركزية الفرص؟


 

في الوقت الذي تشهد فيه بلادنا طفرة مهمة في احتضان وتنظيم التظاهرات الرياضية والثقافية والفنية، سواء على المستوى الدولي أو القاري أو الإقليمي، برزت مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة وأكادير كوجهات أساسية لهذه الفعاليات. وقد أبانت المقاولات المغربية، من خلال مشاركتها المتواصلة في تنظيم هذه التظاهرات، عن كفاءة عالية وقدرة على مواكبة المعايير الحديثة، كما ساهمت الممارسة الميدانية في تطوير خبراتها وتجاربها المهنية.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: لماذا تستمر بعض الجهات والمدن في الغياب عن خريطة التظاهرات الكبرى؟ ولماذا لا تحظى مدن مثل بني ملال وغيرها من المدن الصاعدة بنصيبها من هذه الدينامية، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات بشرية واقتصادية ومجالية؟

ورغم أهمية هذا النقاش، فإن الإشكال الأكثر إثارة للاستغراب يظهر عند تنظيم تظاهرات محلية داخل هذه المدن والأقاليم. ففي الوقت الذي تنتظر فيه المقاولات المحلية الشابة أن تشكل مثل هذه المناسبات فرصة لإبراز قدراتها وتطوير خبراتها والمساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، يفاجأ الجميع بهيمنة مقاولات قادمة من المدن الكبرى على معظم الصفقات والخدمات المرتبطة بالتنظيم.

يسارع بعض المنظمين والمشرفين إلى التعاقد مع شركات ومقاولات من الرباط أو الدار البيضاء وغيرها، مع تهميش واضح للمقاولات المحلية، حتى عندما تتوفر هذه الأخيرة على الكفاءة والتجربة والإمكانيات اللازمة لتنفيذ الأعمال المطلوبة بجودة عالية.

إن هذا التوجه لا يضر بالمقاولات المحلية وحدها، بل ينعكس سلبًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة بأكملها. فالمقاولة المحلية تشغل أبناء الإقليم، وتتعامل مع المزودين والحرفيين المحليين، وتصرف مداخيلها داخل الدورة الاقتصادية للمدينة، ما يخلق فرص الشغل ويساهم في تنشيط التجارة والخدمات.

أما إقصاؤها المستمر، فيجعلها عاجزة عن تطوير معداتها، وتوسيع نشاطها، وتكوين مواردها البشرية، ومراكمة التجربة التي تحتاجها للمنافسة على الصعيد الوطني. فكيف نطالب المقاولات المحلية بالاحتراف والتطور، بينما نحرمها من فرص العمل والتجربة داخل مدنها وأقاليمها؟

والسؤال الأكثر مشروعية هو: عندما تُنظم تظاهرة كبرى في الرباط أو الدار البيضاء، هل يفكر المشرفون عليها في التعاقد مع مقاولات قادمة من المدن والجهات المهمشة؟ وهل يتم منح الفرصة لشركات بني ملال وخنيفرة والراشيدية وورزازات وغيرها من مناطق ما يسمى بـ«المغرب غير النافع»؟

في الغالب، تظل الفرص محصورة في دائرة جغرافية واقتصادية محدودة، بينما يُطلب من المقاولات المحلية في باقي الجهات أن تنتظر أو أن تكتفي بأدوار ثانوية داخل مجالاتها الترابية نفسها.

إن العدالة المجالية لا تتحقق فقط ببناء الطرق والمنشآت، بل تقتضي أيضًا عدالة في توزيع الفرص الاقتصادية والصفقات والتظاهرات. ومن غير المقبول أن يتم تنظيم حدث داخل مدينة ما، باستعمال فضاءاتها ومواردها وطاقاتها البشرية، ثم تذهب عائداته الاقتصادية إلى مقاولات من خارجها، دون إشراك حقيقي للنسيج الاقتصادي المحلي.

لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى إقصاء المقاولات الوطنية القادمة من المدن الكبرى، ولا إلى التضحية بالجودة والكفاءة، وإنما المطلوب هو اعتماد معايير شفافة ومنصفة تضمن الأولوية أو نسبة معقولة من المشاركة للمقاولات المحلية المؤهلة، وتشجع على الشراكات بينها وبين الشركات الكبرى، بما يسمح بنقل الخبرة وتطوير الكفاءات.

كما يتعين على الشركات شبه عمومية والمؤسسات العمومية والجهات المنظمة أن تتحمل مسؤوليتها في دعم المقاولات المحلية، من خلال الإعلان الشفاف عن الصفقات والخدمات المطلوبة، وتبسيط شروط المشاركة، وتقسيم بعض الصفقات إلى حصص تمكن المقاولات الصغيرة والمتوسطة من المنافسة، بدل وضع شروط مفصلة على مقاس شركات محددة.

إن المقاولات المحلية لا تطلب امتيازًا غير مشروع، بل تطالب بحقها الطبيعي في الاستفادة من الدينامية الاقتصادية التي تعرفها مدنها، والمساهمة في إنجاح التظاهرات المنظمة داخل مجالها الترابي.

لقد حان الوقت للانتقال من خطاب تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى إجراءات عملية تضمن لها فرصًا حقيقية. فالتنمية المحلية لا يمكن أن تتحقق بمقاولات مهمشة، ولا يمكن بناء عدالة مجالية في ظل استمرار مركزية الفرص والثروة والخبرة.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المسؤولين والمنظمين: هل ستظل مقاولات الجهات المهمشة مجرد متفرج على التظاهرات المنظمة داخل مدنها، أم سيتم الاعتراف بها شريكًا حقيقيًا في

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: المحتوى محمي !!
Close

تم الكشف عن مانع للإعلانات

يرجى إيقاف مانع الإعلانات للاستمرار في التصفح

نلاحظ أنك تستخدم مانعاً للإعلانات. يعتمد موقعنا على عائدات الإعلانات لتقديم محتوى مجاني عالي الجودة. نشكرك على إيقاف مانع الإعلانات وإعادة تحميل الصفحة للوصول إلى المحتوى.

نشكركم على دعمكم!