أمين العصبى يكتب من أسوار طروادة إلى أسوار سبتة: حين تعود الأوديسة في هيئة موجة بشرية

أمين العصبى
باحث بمركز دراسات الدكتوراه “الإنسان والمجال في العالم المتوسطي” جامعة محمد الخامس الرباط
لم يكن المشهد الذي عاشته مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة مجرد حادث حدودي عابر، بل بدا وكأنه فصل جديد من ملحمة إنسانية تتكرر بأشكال مختلفة عبر التاريخ. آلاف الأشخاص يتدفقون نحو الأسلاك الشائكة والبحر، مدفوعين بالأمل واليأس في آن واحد، فيما تستنفر الدولة الإسبانية كل أجهزتها للدفاع عن آخر حدود الاتحاد الأوروبي في إفريقيا.
ولعل أفضل ما يمكن أن يضيء هذا المشهد هو العودة إلى واحدة من أقدم الملاحم الإنسانية: الأوديسة لهوميروس، التي أعاد فيلم The Odyssey تقديمها بلغة سينمائية معاصرة، حيث يتحول البحر إلى مسرح للاختبار، وتصبح الرحلة أكثر أهمية من الوصول.
في الأوديسة، لا يبحث أوديسيوس عن أرض جديدة، بل عن حقه في العودة إلى وطنه بعد حرب طروادة. أما في سبتة، فإن آلاف الشباب لا يفرون من حرب أسطورية، بل من حروب أكثر قسوة: الفقر، وانسداد الأفق، والتفاوت الاقتصادي، وغياب العدالة في توزيع فرص الحياة. وإذا كان البحر قد وقف في وجه أوديسيوس بعواصف الآلهة، فإن البحر نفسه يقف اليوم في وجه المهاجرين بقوانين الحدود، والدوريات، والأسلاك، والاتفاقيات الدولية.
غير أن التشابه الأكثر إثارة يكمن في رمزية الأسوار.
كانت طروادة مدينة محصنة بأسوار شاهقة ظن أهلها أنها عصية على الاختراق. لكن التاريخ أثبت أن الأسوار لا تسقط دائما بالقوة العسكرية، بل قد تنهار أمام الإصرار، أو أمام الحيلة، أو أمام التحولات التي تعجز عن استيعابها.
وسبتة اليوم تبدو، في المخيال الأوروبي، وكأنها طروادة جديدة؛ مدينة صغيرة بأسوار إلكترونية وحدود مشددة، تمثل آخر خط دفاع عن أوروبا. ومع كل موجة عبور جماعية، يتجدد السؤال نفسه الذي طرحته الأسطورة قبل آلاف السنين: هل تستطيع الأسوار وحدها أن توقف حركة التاريخ؟
الفارق الجوهري أن حصان طروادة كان يخفي جنودا، أما الموجة البشرية التي وصلت إلى سبتة فلا تخفي سوى أحلام بسيطة: فرصة عمل، وحياة أكثر كرامة، ومستقبلا مختلفا. إنها ليست حملة غزو، بل هجرة يائسة؛ ولذلك فإن قراءتها بمنطق الحرب وحده تظل قراءة ناقصة.
لقد أصبح البحر الأبيض المتوسط، الذي كان عند الإغريق فضاء للمغامرة والاكتشاف، مقبرة مفتوحة لكثير من الباحثين عن الأمل. وتحولت الرحلة التي كانت في الأدب رمزا للبطولة إلى رحلة نجاة من واقع اقتصادي واجتماعي يزداد قسوة.
ومن هنا تكتسب الأحداث الأخيرة في سبتة بعدا يتجاوز الأمن والهجرة. فهي تكشف عن أزمة أعمق يعيشها المجال المتوسطي بأسره؛ أزمة اختلال في التنمية بين ضفتيه، حيث تبدو أوروبا حصنا محصنا، بينما يتحول الجنوب إلى فضاء ينتج باستمرار موجات جديدة من الباحثين عن العبور.
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالمغرب، خلال العقدين الأخيرين، لم يعد ذلك البلد الذي يُختزل في كونه مجرد فضاء للعبور أو للهجرة، بل أصبح قوة إقليمية صاعدة تراهن على التنمية باعتبارها أفضل وسيلة لترسيخ الاستقرار. فمن ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى أحد أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، إلى شبكة القطار فائق السرعة، وتطوير البنيات التحتية الطرقية واللوجستية، وصولا إلى الاستثمارات الكبرى في الطاقات المتجددة، وعلى رأسها المركب الشمسي “نور” بورزازات، ومشاريع الهيدروجين الأخضر، والمبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، كلها مؤشرات على تحول استراتيجي يعيد رسم موقع المغرب داخل إفريقيا والعالم المتوسطي.
إن هذه المشاريع ليست مجرد إنجازات اقتصادية، بل تحمل رسالة اجتماعية وسياسية عميقة مفادها أن التنمية قادرة على صناعة الأمل. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حماية الحدود، بل في جعل الوطن فضاء يتيح لشبابه فرصا حقيقية للعمل، والابتكار، والارتقاء الاجتماعي، حتى يصبح حلم النجاح ممكنا داخل الوطن قبل البحث عنه خارجه. فالهجرة، مهما كانت دوافعها، ينبغي أن تكون خيارا حرا لا ملاذا اضطراريا، وأن يكون البقاء في الوطن قرارا نابعا من الثقة في المستقبل، لا نتيجة للعجز عن الرحيل.
إن قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي شدد على ضرورة احترام الضمانات القانونية في التعامل مع عمليات الترحيل على الحدود يعيد التذكير بأن حماية الحدود لا يمكن أن تنفصل عن حماية الكرامة الإنسانية. فالدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على ضبط حدودها، بل أيضا بقدرتها على احترام القانون حتى في أكثر اللحظات تعقيدا.
لقد انتهت حرب طروادة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، لكن ملحمة الإنسان مع الحدود لم تنته بعد. تغيرت السفن، وتبدلت الأسلحة، واختفت الآلهة من السماء، غير أن السؤال الذي طرحه هوميروس ما زال قائما: إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يواصل الرحلة بحثا عن مكان يعتقد أنه يستحق أن يعيش فيه؟
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الأوديسة لم تكن، في جوهرها، قصة انتصار عسكري، بل قصة إنسان يبحث عن وطن. واليوم، على شواطئ سبتة، تتكرر الحكاية نفسها، لكن بأبطال مجهولين، وببحر واحد، وبأسوار جديدة، فيما يظل الأمل هو القوة الوحيدة التي لم تستطع أي حدود أن توقفها.



