الدكتور والخبير الاقتصادي مصطفى امزيل يكتب : لماذا لا يؤدي تراجع التضخم إلى انخفاض الأسعار في المغرب؟ قراءة اقتصادية في مفارقة تستعصي على الإدراك العام


في كل مرة تعلن فيها المؤسسات الرسمية عن تراجع معدل التضخم، يتجدد لدى شريحة واسعة من المواطنين أملٌ مشروع في أن تنخفض أسعار السلع والخدمات، وأن تستعيد القدرة الشرائية جزءاً مما فقدته خلال موجة الغلاء التي عرفها المغرب، شأنه شأن العديد من دول العالم، عقب تداعيات جائحة كوفيد-19 والأزمات الجيوسياسية والاختلالات التي مست سلاسل الإمداد العالمية. غير أن الواقع يكشف عن مفارقة تبدو، للوهلة الأولى، عصية على الفهم؛ فالتضخم يتراجع بالفعل وفق المؤشرات الرسمية، بينما تظل الأسعار مرتفعة، بل إن العديد من المواد الأساسية لا تُظهر أي ميل للعودة إلى مستوياتها السابقة. وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لا ينعكس انخفاض التضخم على انخفاض الأسعار في المغرب؟

لفهم هذه المفارقة، ينبغي أولاً التمييز بين مفهومين اقتصاديين كثيراً ما يتم الخلط بينهما في النقاش العام، وهما “التضخم” و”مستوى الأسعار”. فالتضخم لا يقيس ارتفاع الأسعار في حد ذاته، وإنما يقيس سرعة هذا الارتفاع. وعندما تعلن المندوبية السامية للتخطيط أو بنك المغرب عن انخفاض معدل التضخم، فإن ذلك لا يعني أن الأسعار بدأت في التراجع، وإنما يعني ببساطة أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ مما كانت عليه في السابق. فإذاارتفعت الأسعار بنسبة 8% في سنة معينة، ثم ارتفعت بنسبة 1% في السنة الموالية، فإن الأسعار تكون قد واصلت الارتفاع، ولكن بوتيرة أقل، دون أن تعود إلى مستوياتها الأصلية. ولذلك فإن الحديث عن تراجع التضخم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مرادفاً لانخفاض الأسعار، لأن هذا الأخير لا يتحقق إلا في حالة نادرة تُعرف اقتصادياً بالانكماش السعري، وهي حالة تختلف جذرياً عن تراجع التضخم، بل قد تكون لها انعكاسات اقتصادية سلبية إذا استمرت لفترة طويلة.

وقد شهد الاقتصاد المغربي، خلال السنوات الأخيرة، تحسناً واضحاً في مؤشرات التضخم مقارنة بذروة الأزمة التضخمية التي عرفها خلال سنتي 2022 و2023، حيث تجاوز معدل التضخم في بعض الأشهر حاجز 10% نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة والمواد الغذائية والمواد الأولية على المستوى الدولي. غير أن تشديد السياسة النقدية من قبل بنك المغرب، إلى جانب الانخفاض التدريجي في أسعار عدد من المواد الأولية عالمياً وتحسن سلاسل التموين، ساهم في إعادة التضخم إلى مستويات أكثر استقراراً. وتشير أحدث المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن متوسط التضخم خلال سنة 2025 استقر في حدود 0.8%، وهو ما يعكس نجاحاً نسبياً في احتواء الضغوط التضخمية. إلا أن هذا النجاح على المستوى الكلي لم يُترجم إلى انخفاض ملموس في أسعار السلع والخدمات التي يستهلكها المواطن يومياً، وهو ما يفسر استمرار الإحساس بغلاء المعيشة رغم تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية.

وتكمن أولى أسباب هذه الظاهرة في الطبيعة التراكمية للأسعار. فالزيادات التي عرفتها الأسواق خلال السنوات الماضية أصبحت جزءاً من المستوى السعري الجديد للاقتصاد الوطني، ولم تعد مجرد زيادات ظرفية قابلة للتراجع تلقائياً. فالمنتج الذي كان يُباع بعشرة دراهم ثم ارتفع إلى اثني عشر درهماً خلال فترة التضخم، لا يعود إلى سعره الأصلي بمجرد انخفاض معدل التضخم، وإنما قد يستقر عند اثني عشر درهماً أو يرتفع إلى اثني عشر درهماً وخمسين سنتيماً إذا استمرت الضغوط، ولو بوتيرة محدودة. ومن ثم فإن انخفاض التضخم لا يمحو الزيادات السابقة، بل يحد فقط من سرعة تراكم زيادات جديدة. وهذا ما يفسر استمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار حتى في ظل تراجع معدلات التضخم.

ويزداد هذا الوضع تعقيداً عندما نأخذ بعين الاعتبار أن عدداً كبيراً من تكاليف الإنتاج أصبح بدوره مرتفعاً بصورة دائمة. فقد واجهت المقاولات المغربية خلال السنوات الأخيرة زيادات متتالية في أسعار الطاقة، والنقل، والمواد الأولية، والتأمين، والخدمات اللوجستية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التمويل نتيجة تشديد السياسة النقدية. وحتى وإن تراجعت أسعار بعض المدخلات على المستوى الدولي، فإن العديد من المؤسسات تكون قد أعادت هيكلة أسعارها على أساس الكلفة الجديدة، الأمر الذي يجعل العودة إلى الأسعار السابقة أمراً اقتصادياً غير مبرر من وجهة نظر المنتجين. فالمقاولة لا تحدد أسعارها فقط وفق التكلفة الحالية، بل أيضاً وفق توقعاتها المستقبلية، وهوامش الأمان التي تسعى إلى الحفاظ عليها في مواجهة أي صدمات جديدة.

ومن العوامل الأساسية التي تحول دون انخفاض الأسعار كذلك، طبيعة البنية التنافسية لبعض الأسواق المغربية. فكلما كانت المنافسة محدودة، وكلما تركزت السوق في يد عدد قليل من الفاعلين الاقتصاديين، تقلصت الضغوط التي تدفع المنتجين والموزعين إلى تخفيض الأسعار بعد انحسار التضخم. وفي مثل هذه الحالات، تميل الأسعار إلى ما يسميه الاقتصاديون “الجمود النزولي“، أي أنها ترتفع بسرعة عند زيادة التكاليف، لكنها تنخفض ببطء شديد، أو قد لا تنخفض إطلاقاً، عندما تتراجع تلك التكاليف. ويُعد هذا السلوك من الخصائص المعروفة في العديد من الأسواق التي تعرف درجة معينة من التركيز أو ضعف المنافسة، وهو ما يجعل المستهلك لا يستفيد بالسرعة نفسها من تحسن الظروف الاقتصادية.

ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته الظروف المناخية في تكريس هذا الواقع، إذ إن توالي سنوات الجفاف أثر بشكل مباشر في الإنتاج الفلاحي الوطني، ولاسيما المنتجات الغذائية الطازجة التي تشكل مكوناً أساسياً في سلة استهلاك الأسر المغربية. وقد أدى ضعف التساقطات وتراجع الموارد المائية إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، سواء بسبب زيادة الاعتماد على السقي أو ارتفاع أسعار الأعلاف ومدخلات الإنتاج، وهو ما انعكس على أسعار العديد من المواد الغذائية. لذلك، حتى مع تراجع الضغوط التضخمية العالمية، ظلت العوامل الداخلية المرتبطة بالعرض تُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة، مما جعل أثر انخفاض التضخم أقل وضوحاً بالنسبة للمستهلك المغربي.

غير أن الاقتصار على تفسير الظاهرة من خلال مفهوم التضخم أو تطور تكاليف الإنتاج لا يكفي لفهم استمرار غلاء المعيشة، لأن الاقتصاد لا يُقاس فقط بالمؤشرات الكلية، وإنما أيضاً بما يشعر به المستهلك في حياته اليومية. فمن الناحية الإحصائية، قد يسجل معدل التضخم انخفاضاً ملحوظاً، بينما يستمر المواطن في الإحساس بأن الأسعار لا تزال مرتفعة، وهو إحساس لا يعكس بالضرورة تناقضاً مع الأرقام الرسمية، بل يعبر عن اختلاف بين ما تقيسه المؤشرات الاقتصادية وما تعيشه الأسر في واقعها الاستهلاكي. فالمواطن لا يقارن أسعار اليوم بأسعار الشهر الماضي، وإنما يقارنها بما كانت عليه قبل سنتين أو ثلاث سنوات، أي قبل موجة التضخم غير المسبوقة التي شهدها الاقتصاد العالمي. ومن ثم، فإن تراكم الزيادات السابقة يظل حاضراً في الذاكرة الاقتصادية للأسر، حتى وإن أصبحت الزيادات الجديدة محدودة.

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة في الحالة المغربية، بالنظر إلى أن الإنفاق الغذائي يستحوذ على نسبة مرتفعة من ميزانية الأسر مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتقدمة. فكل ارتفاع يطال أسعار المواد الغذائية الأساسية ينعكس بصورة مباشرة على الإحساس العام بغلاء المعيشة، حتى وإن كانت أسعار سلع أو خدمات أخرى تعرف استقراراً نسبياً. وتؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن المكون الغذائي ظل خلال السنوات الأخيرة المحرك الرئيسي للتضخم، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف، وتقلب أسعار الخضر والفواكه واللحوم، وهي منتجات تتميز بحساسية كبيرة تجاه العوامل المناخية وتكاليف النقل والتخزين. لذلك، فإن تراجع معدل التضخم العام لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار المواد التي تستهلكها الأسر يومياً، وهو ما يفسر استمرار الشعور بارتفاع كلفة المعيشة.

ومن جهة أخرى، فإن الأسعار لا تتحدد فقط على مستوى الإنتاج، بل تتشكل أيضاً عبر سلسلة طويلة تضم النقل والتخزين والتوزيع والبيع بالتقسيط. وكلحلقة من هذه الحلقات تضيف تكلفة جديدة إلى المنتج قبل وصوله إلى المستهلك النهائي. وخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت تكاليف النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والأجور والتمويل، الأمر الذي أدى إلى إعادة تشكيل البنية السعرية داخل مختلف سلاسل القيمة. وحتى بعد تراجع أسعار بعض المواد الأولية في الأسواق الدولية، ظلت هذه التكاليف المحلية مرتفعة نسبياً، وهو ما حدّ من إمكانية انتقال آثار انخفاض التضخم إلى الأسعار النهائية التي يؤديها المستهلك.

ويضاف إلى ذلك أن عدداً من الأسواق يتميز بوجود هوامش ربح مستقرة أو مرتفعة نسبياً، خصوصاً في المراحل الوسيطة من سلسلة التوزيع. فالتاجر أو الموزع الذي اعتاد العمل وفق هامش معين خلال فترة ارتفاع الأسعار لا يجد دائماً حافزاً اقتصادياً لتقليص هذا الهامش بمجرد انحسار الضغوط التضخمية، خاصة إذا كان الطلب لا يزال قائماً، أو إذا كانت المنافسة داخل السوق غير كافية لفرض تخفيضات سعرية. ومن ثم، فإن الأسعار تميل إلى التكيف بسرعة مع ارتفاع التكاليف، لكنها تكون أكثر بطئاً في التراجع عندما تتحسن الظروف الاقتصادية، وهي ظاهرة معروفة في الأدبيات الاقتصادية بصلابة الأسعار النزولية.

وفي السياق نفسه، تلعب توقعات الفاعلين الاقتصاديين دوراً محورياً في تفسير هذا السلوك. فالمنتجون والمستوردون والموزعون لا يبنون قراراتهم على الأسعار الحالية فقط، بل على توقعاتهم بشأن المستقبل أيضاً. وإذا كانوا يتوقعون استمرار التقلبات في الأسواق الدولية، أو احتمال عودة الضغوط التضخمية نتيجة التوترات الجيوسياسية أو التغيرات المناخية، فإنهم يفضلون الإبقاء على مستويات الأسعار الحالية كإجراء احترازي يضمن استقرار نشاطهم وربحيتهم. ومن ثم، فإن الأسعار تصبح انعكاساً ليس فقط للواقع الاقتصادي، بل كذلك للتوقعات المستقبلية، وهو ما يجعلها أقل استجابة للتحسن الظرفي في معدلات التضخم.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي اضطلع به بنك المغرب في احتواء الضغوط التضخمية من خلال تشديد السياسة النقدية، حيث تم رفع سعر الفائدة الرئيسي تدريجياً بهدف الحد من الطلب المفرط وترسيخ استقرار الأسعار. وقد ساهم هذا التوجه، إلى جانب تراجع أسعار عدد من السلع في الأسواق العالمية، في إعادة التضخم إلى مستويات منخفضة. غير أن أدوات السياسة النقدية تؤثر أساساً في معدل نمو الأسعار، ولا تمتلك القدرة على إعادة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، لأن ذلك يرتبط بعوامل هيكلية تتجاوز نطاق تدخل البنك المركزي، مثل الإنتاجية، والمنافسة، وكفاءة الأسواق، وتكاليف الإنتاج، والظروف المناخية.

كما أن الاقتصاد المغربي، بحكم انفتاحه على الأسواق الدولية، يظل معرضاً لتقلبات الأسعار العالمية، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو الحبوب أو المواد الأولية. ورغم أن تراجع أسعار النفط والعديد من السلع الأساسية خلال السنوات الأخيرة خفف من الضغوط الخارجية، فإن استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، إلى جانب الاضطرابات الجيوسياسية وتغيرات المناخ، يجعل انتقال هذه الانخفاضات إلى الأسواق المحلية يتم بوتيرة أبطأ وأكثر تعقيداً. فأسعار الواردات ليست سوى أحد مكونات السعر النهائي، بينما تبقى التكاليف المحلية عنصراً حاسماً في تحديد ما يؤديه المستهلك المغربي فعليا.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على المغرب وحده، بل تعد سمة مشتركة لمعظم الاقتصادات التي واجهت موجات تضخمية حادة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2022 و2024. ففي الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة، تراجعت معدلات التضخم بصورة ملحوظة بعد أن بلغت مستويات قياسية، غير أن أسعار معظم السلع والخدمات لم تعد إلى مستويات ما قبل الأزمة، بل استقرت عند مستويات أعلى، وهو ما دفع العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى التأكيد على أن استعادة استقرار الأسعار لا تعني بالضرورة استعادة مستويات الأسعار السابقة. وقد أبرز صندوق النقد الدولي في تقاريره الأخيرة أن مرحلة ما بعد الصدمة التضخمية تتسم عادة بما يعرف بـاستقرار الأسعار عند مستوى مرتفع، حيث يتراجع معدل الزيادة السنوية للأسعار، بينما يبقى المستوى العام للأسعار أعلى بكثير مما كان عليه قبل الأزمة. ويؤكد هذا المعطى أن ما يعيشه المغرب لا يمثل استثناءً، وإنما يعكس دينامية اقتصادية شهدتها غالبية الاقتصادات بعد الصدمات العالمية المرتبطة بالجائحة، والحرب في أوكرانيا، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية.

وفي الحالة المغربية، تبرز هذه المفارقة بشكل أكثر وضوحاً بالنظر إلى خصوصية البنية الاقتصادية الوطنية. فإلى جانب العوامل الخارجية، واجه الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة تحديات داخلية لا تقل أهمية، في مقدمتها توالي سنوات الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع كلفة الإنتاج الفلاحي، وهي عوامل أثرت بصورة مباشرة في أسعار المواد الغذائية التي تشكل نسبة مهمة من سلة استهلاك الأسر. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الإجهاد المائي والتقلبات المناخية أصبحا يشكلان أحد أهم المخاطر الهيكلية التي تواجه الاقتصاد المغربي، لما لهما من انعكاسات مباشرة على الإنتاج الفلاحي، والتشغيل، والأمن الغذائي، واستقرار الأسعار. ومن ثم، فإن استمرار ارتفاع أسعار عدد من المنتجات الغذائية لا يرتبط فقط بعوامل السوق، وإنما أيضاً بالتحولات المناخية التي أصبحت تؤثر في العرض الزراعي بصورة متكررة.

وفي المقابل، حافظ الاقتصاد المغربي على درجة معتبرة من الصمود أمام هذه الصدمات، إذ تشير تقديرات وزارة الاقتصاد والمالية والمؤسسات المالية الدولية إلى استمرار النمو الاقتصادي، مدعوماً بانتعاش القطاعات غير الفلاحية، وارتفاع الاستثمارات العمومية، وتطور قطاعات الصناعة والتصدير والسياحة. كما تمكن بنك المغرب من إعادة التضخم إلى مستويات أكثر انسجاماً مع هدف استقرار الأسعار، وهو ما يعكس فعالية السياسة النقدية في الحد من الضغوط التضخمية. غير أن نجاح السياسة النقدية في كبح التضخم لا يعني أنها قادرة، بمفردها، على تحسين القدرة الشرائية، لأن هذه الأخيرة تتأثر أيضاً بوتيرة نمو الأجور، ومستوى الإنتاجية، وهيكلة الأسواق، وكفاءة سلاسل التوزيع، ومدى فعالية المنافسة.

ومن هذا المنطلق، فإن تحسين القدرة الشرائية يقتضي تبني مقاربة شمولية تتجاوز مجرد التحكم في التضخم. فاستقرار الأسعار يمثل شرطاً ضرورياً لتحقيق التوازنات الاقتصادية، لكنه ليس الشرط الوحيد لاستعادة رفاه الأسر. إذ ينبغي أن يواكب ذلك تعزيز المنافسة داخل الأسواق، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، وتطوير منظومات التخزين والنقل والتوزيع، وتقليص كلفة اللوجستيك، وتحسين إنتاجية القطاع الفلاحي، وتسريع الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر والموارد المائية، فضلاً عن مواصلة الإصلاحات الرامية إلى رفع تنافسية الاقتصاد الوطني. فكلما أصبحت الأسواق أكثر كفاءة وشفافية، ازدادت سرعة انتقال انخفاض التكاليف إلى المستهلك النهائي، وهو ما يحد من ظاهرة بقاء الأسعار مرتفعة رغم انحسار التضخم.

وفي هذا السياق، يكتسي تفعيل المؤسسات المكلفة بحماية المنافسة ومراقبة الأسواق أهمية بالغة، ليس بهدف التدخل الإداري في تحديد الأسعار، وإنما لضمان احترام قواعد المنافسة الحرة والنزيهة، والحد من أي ممارسات قد تعيق انتقال آثار انخفاض التكاليف إلى المستهلك. كما أن تعزيز الشفافية في سلاسل التوريد، والرفع من كفاءة أسواق الجملة، والحد من تعدد الوسطاء في بعض الشعب، من شأنه أن يسهم في تخفيض الفوارق بين أسعار المنتج وأسعار البيع النهائي، بما ينعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للأسر.

ومن جهة أخرى، لا ينبغي إغفال أهمية السياسات الاجتماعية في التخفيف من آثار ارتفاع المستوى العام للأسعار. فحتى في ظل استقرار التضخم، قد تظل بعض الفئات الهشة تواجه صعوبات في تلبية احتياجاتها الأساسية إذا لم تواكب الزيادات التي عرفتها الأسعار خلال السنوات الماضية تطورات مماثلة في الدخل. ومن هنا تبرز أهمية برامج الدعم الاجتماعي المباشر، وتعميم الحماية الاجتماعية، ومواصلة إصلاح منظومة الاستهداف الاجتماعي، باعتبارها أدوات مكملة للسياسة الاقتصادية، تسهم في الحد من آثار الصدمات السعرية على الفئات الأكثر هشاشة وتعزز العدالة الاجتماعية.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن الاعتقاد السائد بأن انخفاض التضخم يجب أن يؤدي تلقائياً إلى انخفاض الأسعار يعكس فهماً غير دقيق للآليات التي تحكم الاقتصاد. فالتضخم ليس سوى مؤشر يقيس وتيرة تغير الأسعار، وليس مستوى الأسعار نفسه. وعندما يتراجع هذا المؤشر، فإن ذلك يعني أن الأسعار تواصل الارتفاع بوتيرة أبطأ، وليس أنها بدأت في الانخفاض. أماعودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، فهي تتطلب حدوث انكماش سعري واسع، وهي حالة استثنائية لا تسعى إليها السياسات الاقتصادية عادة لما قد يترتب عنها من ركود اقتصادي، وتراجع في الاستثمار، وارتفاع في البطالة.

وفي الختام، يمكن القول إن المفارقة التي يعيشها المغرب اليوم ليست مفارقة بين الأرقام والواقع، وإنما بين ما تقيسه المؤشرات الاقتصادية وما يتوقعه الرأي العام من تلك المؤشرات. فقد نجح الاقتصاد الوطني في تجاوز المرحلة الأكثر حدة من الضغوط التضخمية، واستعاد قدراً مهماً من استقرار الأسعار على المستوى الكلي، غير أن المستوى العام للأسعار استقر عند عتبة أعلى من تلك التي كانت سائدة قبل الأزمة. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في خفض معدل التضخم فحسب، بل في بناء نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية وتنافسية ومرونة، قادر على رفع الدخول الحقيقية، وتعزيز كفاءة الأسواق، وتقليص تكاليف الإنتاج والتوزيع، بما يسمح بتحويل الاستقرار النقدي إلى تحسن ملموس ومستدام في القدرة الشرائية وجودة حياة المواطنين. فالمؤشر الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس فقط بانخفاض معدلات التضخم، وإنما بمدى قدرة المواطن على ملاحظة أثر ذلك في معيشه اليومي، وهو الرهان الذي سيظل في صلب النموذج التنموي المغربي خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: المحتوى محمي !!
Close

تم الكشف عن مانع للإعلانات

يرجى إيقاف مانع الإعلانات للاستمرار في التصفح

نلاحظ أنك تستخدم مانعاً للإعلانات. يعتمد موقعنا على عائدات الإعلانات لتقديم محتوى مجاني عالي الجودة. نشكرك على إيقاف مانع الإعلانات وإعادة تحميل الصفحة للوصول إلى المحتوى.

نشكركم على دعمكم!