حليم عثمان يكتب : السياحة ببني ملال.. اتفاقيات تُوقَّع ومشاريع تبقى حبيسة الرفوف، فمن يتحمل مسؤولية التأخر في التنفيذ؟

مقال رأي بقلم: حليم عثمان
تطرح وضعية السياحة بجهة بني ملال–خنيفرة، وخاصة بمدينة بني ملال، إشكالية حقيقية تتعلق بمآل المشاريع الكبرى التي كان من شأنها إحداث تحول نوعي في المشهد السياحي للمنطقة ومنحها إشعاعاً وطنياً ودولياً. فبالرغم من توقيع اتفاقيات والإعلان عن مشاريع واعدة، لا تزال هذه الأخيرة بعيدة عن التجسيد الفعلي على أرض الواقع، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول قدرة المؤسسات المعنية على تحويل الوعود والالتزامات إلى مشاريع ملموسة، بدل أن تظل الاتفاقيات حبيسة الرفوف.
ويُعد مشروع التلفريك ببني ملال وأزيلال أبرز مثال على هذا التعثر؛ فقد جرى توقيع اتفاقيات بشأنه سنة 2023 بمقر مجلس جهة بني ملال–خنيفرة، في إطار برنامج خارطة الطريق السياحية للجهة الممتد من 2023 إلى 2026، بمشاركة عدد من المتدخلين، من بينهم مجلس الجهة ووزارة السياحة. غير أننا، ونحن على مشارف نهاية سنة 2026، لا نزال نتساءل عن مآل المشروع، في ظل عدم الإعلان عن استكمال الدراسات وانطلاق الأشغال. فكيف يُعقل أن تمر قرابة ثلاث سنوات على توقيع الاتفاقيات دون نتائج ملموسة؟ وأين وصلت التزامات الشركاء؟ إن هذا التأخر يستوجب توضيحات رسمية بشأن أسبابه والآجال المحددة لتنفيذ المشروع.
وفي المقابل، تعرف مدن أخرى، من قبيل فاس وطنجة ومراكش، تحركات متسارعة بشأن مشاريع سياحية مماثلة، من بينها مشاريع التلفريك. وهنا تبرز المفارقة: كيف بادرت جهة بني ملال–خنيفرة إلى طرح المشروع منذ سنة 2023، بينما لا يزال متعثراً، في وقت تسير فيه مشاريع مدن أخرى بسرعة قطار فائق السرعة؟ ولماذا تجد مشاريع الجهة نفسها دائماً أمام صعوبات التأخر والتعثر؟ هل يتعلق الأمر بضعف الترافع، أم بغياب رؤية واضحة، أم بصعوبات التمويل والتنسيق مع الشركاء؟ إنها أسئلة مشروعة تستدعي أجوبة واضحة، بعيداً عن لغة الوعود والإعلانات.
وتقودنا هذه الوضعية إلى التساؤل عن مسؤولية المسؤولين والمؤسسات المعنية: هل يعود التعثر إلى ضعف التدبير؟ وما الفرق بين مسؤولي جهة بني ملال–خنيفرة ونظرائهم في الجهات الأخرى؟ وهل يمتلك المسؤولون القدرة الكافية على الترافع واستقطاب الاستثمارات وتعبئة التمويلات، أم أن الإشكال يكمن في غياب خطة واضحة وعدم ضمان التزامات الشركاء قبل الإعلان عن المشاريع؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي تقديم حصيلة دقيقة وشفافة توضح أسباب التأخر، وما تحقق فعلياً، وما لا يزال عالقاً.
وسبق للوالي السابق، خطيب الهبيل، أن انتقد خلال إحدى دورات مجلس الجهة طريقة توقيع عدد من الاتفاقيات دون الحصول مسبقاً على موافقة الشركاء، محذراً من صعوبة تنزيلها على أرض الواقع. وهو تنبيه يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى توقيع اتفاقيات قبل ضمان شروط تنفيذها. فليس الإنجاز في كثرة الاتفاقيات، بل في تنفيذها وتحقيق أهدافها؛ وإلا فإنها ستظل مجرد وثائق لا تُحدث الأثر التنموي المنتظر.
أما السياحة بمدينة بني ملال، عاصمة الجهة، فلا تزال حصيلتها، في نظر العديد من المتتبعين، دون مستوى المؤهلات المتاحة والطموحات المنتظرة، رغم تعدد المؤسسات والمتدخلين، من مجلس الجهة إلى المجلس الجهوي للسياحة، والمركز الجهوي للاستثمار، وشركة أطلس للتنمية السياحية لجهة بني ملال–خنيفرة. وهو ما يستدعي تقديم حصيلة واضحة عن السنوات الخمس الأخيرة، تشمل المشاريع المنجزة، والاستثمارات المستقطبة، وفرص الشغل المحدثة. كما أن أنشطة الدراجات الجبلية (VTT) والمشي في الطبيعة (Randonnée)، على أهميتها، لا يمكن أن تكون وحدها رافعة للإقلاع السياحي؛ فالمدينة تحتاج إلى مشاريع مهيكلة واستثمارات نوعية ورؤية متكاملة قادرة على تحويل مؤهلاتها الطبيعية إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
ويبرز مشروع المحطة السياحية لمدينة بني ملال نموذجاً آخر للمشاريع التي لا يزال مصيرها مجهولاً؛ فقد أُنجزت دراسة جدوى بشأنه سنة 2021 من طرف المركز الجهوي للاستثمار، غير أننا وصلنا إلى سنة 2026 دون الإعلان عن المشروع أو الكشف عن مآله بشكل واضح. فما مصير هذه الدراسة؟ ولماذا لم يتم الإعلان عن المشروع والانتقال إلى مراحل تنفيذه؟ وهل جرى استكمال الدراسات التقنية والمالية وتحديد مصادر التمويل والشركاء المحتملين؟ إن استمرار الغموض بشأن هذا الملف يطرح تساؤلات جدية حول مآل المشاريع السياحية بالمدينة، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على الانتقال من مرحلة الدراسات إلى مرحلة الإعلان والتنفيذ، وهو ما يستوجب تقديم توضيحات رسمية تكشف حقيقة ما جرى، وتضع الرأي العام أمام المعطيات الفعلية المتعلقة بهذا المشروع.
وأمام هذه المشاريع المتعثرة، تتجه الأنظار إلى الوالي محمد بنريباك، لمعرفة ما إذا كان سيتمكن من فك لغز الاتفاقيات المؤجلة وتسريع تنفيذها، أم سيستمر الوضع على ما هو عليه. فالمطلوب اليوم ليس توقيع اتفاقيات جديدة، بل تفعيل الالتزامات القائمة، وتحديد أسباب التعثر، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق القوانين الجاري بها العمل. فبني ملال لا ينقصها ما يؤهلها لتكون وجهة سياحية ذات إشعاع وطني ودولي، وإنما تحتاج إلى إرادة تنفيذية حقيقية تجعل المشاريع واقعاً ملموساً. فهل تنجح المرحلة المقبلة في إنهاء مسلسل الوعود المؤجلة، أم ستظل بني ملال تنتظر مشاريعها بينما تواصل مدن أخرى التقدم؟
#بني_ملال #جهة_بني_ملال_خنيفرة #السياحة #التلفريك #عين_أسردون #التنمية_الجهوية #الاستثمار_السياحي #المحاسبة_والمسؤولية #المشاريع_التنموية



