قراءة في الخطاب الملكي .. الدكتور والخبير الاقتصادي مصطفى امزيل يكتب : الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش رؤية استراتيجية لترسيخ السيادة الاقتصادية وبناء المغرب الصاعد


في كل محطة من محطات عيد العرش المجيد، لا يقتصر الخطاب الملكي السامي على كونه مناسبة دستورية أو خطابا سياسيا موجها إلى الأمة، بل يمثل وثيقة استراتيجية تؤطر الرؤية الوطنية لمسار الدولة، وتحدد أولويات المرحلة المقبلة، وتقدم قراءة شاملة للتحولات التي يعرفها المغرب في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد. وقد جاء خطاب جلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه المنعمين، ليؤكد مرة أخرى أن المملكة المغربية دخلت مرحلة جديدة من البناء التنموي، قوامها ترسيخ الثقة، وتعزيز السيادة، وتسريع وتيرة التحول الاقتصادي والاجتماعي، وفق رؤية بعيدة المدى تجعل من الاستقرار والمؤسسات والإنسان المغربي ركائز أساسية لمغرب المستقبل.

ويبرز في هذا الخطاب أن الفلسفة الملكية في تدبير الشأن العام لا تنطلق من منطق الإنجاز الظرفي أو المكاسب الآنية، وإنما من منطق الدولة الاستراتيجية التي تراكم الإصلاحات وتبني سياساتها على الاستمرارية والوضوح واستشراف المستقبل. فحين يؤكد جلالة الملك أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح ومذهب في الحكم قائم على المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء، فإنه يرسخ ثقافة جديدة في تدبير التنمية، تجعل من التخطيط بعيد المدى، والتقييم المستمر، والقدرة على تصحيح المسار، عناصر جوهرية في نجاح السياسات العمومية.

ومن أهم الرسائل التي حملها الخطاب الملكي، التأكيد على أن الاستقرار أصبح اليوم رأسمالا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو الإمكانات المالية. ففي عالم يشهد اضطرابات جيوسياسية متزايدة، وأزمات اقتصادية متلاحقة، وتقلبات في سلاسل الإنتاج والتجارة الدولية، يظل المغرب من الدول القليلة التي استطاعت المحافظة على توازنها المؤسساتي واستقرارها السياسي، وهو ما يشكل عاملا حاسما في تعزيز ثقة المستثمرين، ورفع جاذبية الاقتصاد الوطني، وتحسين قدرته على استقطاب المشاريع الكبرى. فالاستقرار، كما يؤكد الخطاب الملكي، ليس مجرد معطى سياسي، وإنما هو شرط اقتصادي أساسي لكل مسار تنموي ناجح.

وفي السياق ذاته، يبرز الخطاب المكانة المركزية للمؤسسات الوطنية باعتبارها الضامن الحقيقي لاستمرارية الدولة ونجاعة السياسات العمومية. فالمملكة، بما راكمته من تجربة مؤسساتية راسخة، أثبتت قدرتها على تدبير مختلف الأزمات بكفاءة عالية، سواء تعلق الأمر بتنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، أو مواجهة الكوارث الطبيعية، أو تدبير الأزمات الاقتصادية والصحية. وتعكس هذه القدرة المؤسسية مستوى متقدما من الحكامة، يجعل المغرب نموذجا إقليميا في فعالية الدولة ومرونتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد قدم الخطاب الملكي مؤشرات تؤكد أن الاقتصاد المغربي دخل مرحلة جديدة من النمو النوعي، حيث بلغ معدل النمو حوالي 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مع توقعات باستمرار هذا الأداء خلال سنة 2026. ولا تكمن أهمية هذا الرقم في قيمته الإحصائية فحسب، وإنما في كونه يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على استعادة ديناميته رغم الظرفية الدولية غير المواتية، وما يرافقها من ارتفاع معدلات التضخم، وتشديد السياسات النقدية، وتزايد النزعات الحمائية، وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

ويبرز الخطاب أيضا أن التحول الصناعي الذي يشهده المغرب لم يعد يقتصر على الصناعات التقليدية، بل انتقل إلى الصناعات ذات القيمة المضافة العالية. فقد أصبحت المملكة أول مصدر للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنويا، كما أصبحت صادرات قطاعي السيارات والطيران تمثل أكثر من أربعين في المائة من إجمالي الصادرات الوطنية، متجاوزة بذلك قطاع الفوسفاط الذي ظل لعقود طويلة يشكل العمود الفقري للصادرات المغربية. ويعكس هذا التحول نجاح السياسة الصناعية الوطنية في إعادة هيكلة النسيج الإنتاجي، والاندماج المتزايد في سلاسل القيمة العالمية، والانتقال من اقتصاد يعتمد على المواد الأولية إلى اقتصاد يقوم على التصنيع والتكنولوجيا والابتكار.

ولم يتوقف الخطاب عند استعراض هذه الإنجازات، بل كشف عن دخول المغرب مرحلة أكثر تقدما في التصنيع، من خلال إطلاق مشاريع لصناعة محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، والانخراط في صناعة البطاريات الكهربائية، بما يجعل المملكة ضمن الدول القليلة القادرة على إنتاج مكونات الصناعات المستقبلية. ويعكس هذا التوجه رؤية استراتيجية تستشرف التحولات العالمية المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة، والانتقال نحو الاقتصاد الأخضر، وسلاسل الإنتاج منخفضة الكربون.

وفي المجال الطاقي، يرسخ الخطاب الملكي مكانة الطاقات المتجددة باعتبارها رافعة استراتيجية لتعزيز الأمن الطاقي، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني، واستقطاب الاستثمارات الصناعية العالمية الباحثة عن مصادر طاقة نظيفة ومستدامة. ويكتسي إطلاق المشاريع الأولى ضمن “عرض المغرب للهيدروجين الأخضر” أهمية خاصة، لأنه يؤشر على انتقال المملكة من مرحلة إنتاج الطاقة المتجددة إلى مرحلة توظيفها في بناء صناعات استراتيجية جديدة، ستمنح الاقتصاد المغربي موقعا متقدما داخل الاقتصاد العالمي منخفض الانبعاثات.

ومن بين أهم التحولات التي أبرزها الخطاب، الانتقال من مفهوم الأمن الاقتصادي التقليدي إلى مفهوم السيادة الاقتصادية الشاملة. فقد أصبحت الصناعات الغذائية والدوائية تغطي ما يقارب ثمانين في المائة من الحاجيات الوطنية، في تجسيد واضح لسياسة الاكتفاء الاستراتيجي، خاصة في ظل ما كشفته الأزمات الدولية الأخيرة من هشاشة سلاسل التوريد العالمية. كما أن التوجه نحو تطوير الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني يعكس وعيا متقدما بأهمية الأمن التكنولوجي والسيادة الرقمية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لاستقلال القرار الوطني وتعزيز المكانة الإقليمية للمغرب.

وفي قطاع السياحة، يؤكد الخطاب أن المملكة سجلت رقما تاريخيا باستقبال حوالي عشرين مليون سائح خلال سنة 2025، وهو إنجاز يعكس نجاح الاستراتيجية السياحية الوطنية، ويؤكد أن المغرب أصبح وجهة عالمية تجمع بين الأمن، والاستقرار، والتنوع الثقافي، وجودة البنيات التحتية، والانفتاح الاقتصادي.

غير أن الخطاب الملكي لم يحصر التنمية في بعدها الاقتصادي، بل أكد الترابط العضوي بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. فاستمرار تنزيل برامج الحماية الاجتماعية، وتعزيز التنمية البشرية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعميم التنمية الترابية، كلها تشكل محاور أساسية لضمان توزيع أكثر إنصافا لثمار النمو، وترسيخ نموذج تنموي يجعل الإنسان محور السياسات العمومية وغايتها النهائية.

وفي بعد آخر لا يقل أهمية، وجه جلالة الملك رسالة واضحة إلى القطاع المالي الوطني، داعيا إلى تعبئة الادخار الداخلي، وتوسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والابتكار، والتصنيع، والتصدير. وتكتسي هذه الدعوة أهمية اقتصادية بالغة، لأنها تعكس الانتقال من الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي إلى بناء نموذج تنموي يعتمد بصورة أكبر على تعبئة الموارد الوطنية، وتنشيط الأسواق المالية، وتعزيز الاستثمار المنتج باعتباره المحرك الأساسي للنمو المستدام.

أما على المستوى الدولي، فقد رسخ الخطاب صورة المغرب كفاعل موثوق وشريك يحظى بالاحترام والمصداقية. فتنويع الشراكات الاقتصادية، والانفتاح المتوازن على مختلف الفضاءات الدولية، واعتماد مقاربة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، كلها عناصر عززت الموقع الجيواقتصادي للمملكة، وجعلتها فاعلا إقليميا يحظى بثقة متزايدة في مختلف القضايا الاقتصادية والاستراتيجية.

ويحمل الخطاب كذلك بعدا مؤسساتيا بالغ الدلالة، حين يؤكد أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز الزمن الحكومي والانتخابي، وأنها ثمرة تراكمات استراتيجية ممتدة عبر سنوات طويلة. فهذه الرسالة تؤسس لفهم جديد للتنمية باعتبارها مشروعا وطنيا مستمرا، لا يرتبط بتغير الحكومات بقدر ما يرتبط بثبات الرؤية الاستراتيجية للدولة واستمرارية الإصلاحات الكبرى.

وخلاصة القول، فإن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش يقدم تصورا متكاملا لمغرب جديد يقوم على ثلاثية مترابطة تتمثل في الدولة القوية بمؤسساتها، والاقتصاد المنتج بسيادته وتنافسيته، والمجتمع المتضامن بعدالته الاجتماعية. وهو بذلك لا يكتفي باستعراض حصيلة الإنجازات، بل يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الانتقال من منطق تحقيق النمو إلى منطق ترسيخ قوة الدولة الاقتصادية وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. ومن منظور اقتصادي، يمكن اعتبار هذا الخطاب خارطة طريق استراتيجية ترسم معالم النموذج التنموي للمغرب الصاعد، وتؤكد أن المستقبل سيبنى على الاستثمار في الإنسان، والابتكار، والسيادة الاقتصادية، والاندماج الذكي في الاقتصاد العالمي، بما يجعل المملكة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص حقيقية للتنمية والازدهار.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: المحتوى محمي !!
Close

تم الكشف عن مانع للإعلانات

يرجى إيقاف مانع الإعلانات للاستمرار في التصفح

نلاحظ أنك تستخدم مانعاً للإعلانات. يعتمد موقعنا على عائدات الإعلانات لتقديم محتوى مجاني عالي الجودة. نشكرك على إيقاف مانع الإعلانات وإعادة تحميل الصفحة للوصول إلى المحتوى.

نشكركم على دعمكم!