طارق ياسيني يكتب : ميزانية كبيرة… وحصيلة تحتاج إلى تقييم: أسئلة مشروعة حول تدبير التعاون الوطني بجهة بني ملال–خنيفرة

في تدبير الشأن العام، لا تُقاس المؤسسات بحجم الميزانيات التي تُرصد لها، وإنما بالأثر الحقيقي الذي تتركه على حياة المواطنين، وبمدى قدرتها على الاستجابة لحاجيات الفئات الهشة وفق مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مشروع يستحق النقاش العمومي: ماذا حققت مؤسسة التعاون الوطني بجهة بني ملال–خنيفرة خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى الإمكانيات المالية والبشرية التي تتوفر عليها؟ وهل انعكس هذا الإنفاق العمومي على تحسين أوضاع النساء في وضعية صعبة، والأطفال، والأشخاص في وضعية إعاقة، والجمعيات الشريكة، أم أن الحصيلة ما تزال دون مستوى الانتظارات؟
إن المتتبعين للشأن الاجتماعي بالجهة يلاحظون تزايد التساؤلات حول طبيعة العلاقة التي تربط المؤسسة بالنسيج الجمعوي، خاصة في ظل شكاوى متكررة من بعض الفاعلين المدنيين بشأن طريقة تدبير الشراكات، ومعايير الدعم والمواكبة، ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين الجمعيات.
وتزداد هذه التساؤلات عندما يُثار، في بعض المناسبات، الحديث عن تدخل جهات أخرى أو عن الإشارة إلى السلطات العمومية لتبرير بعض القرارات الإدارية. وإذا كان التنسيق بين المؤسسات والسلطات أمرا طبيعيا وضروريا في إطار احترام القانون، فإن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على قرارات قد يراها المتضررون غير مبررة أو تفتقر إلى التعليل الإداري الكافي.
كما يطرح عدد من الفاعلين سؤالا آخر لا يقل أهمية: هل يمكن لأي مؤسسة عمومية أن تمارس وصاية على المجتمع المدني أو أن توجهه وفق اعتبارات شخصية أو سياسية انتخابية؟ فالدستور المغربي كرس استقلالية الجمعيات، وجعلها شريكا أساسيا في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها، وليس مجرد طرف تابع أو خاضع لمنطق الانتقائية أو الإقصاء.
وفي المقابل، فإن الحديث المتكرر عن “الإنجازات” يستوجب أن يكون مدعوما بمؤشرات دقيقة وقابلة للقياس: كم عدد المشاريع الاجتماعية التي أحدثت أثرا مستداما؟ ما حجم المستفيدين الحقيقيين؟ وما نسبة تنفيذ البرامج مقارنة بالاعتمادات المرصودة؟ وما تقييم الهيئات الرقابية والمنتخبين والشركاء لهذه الحصيلة؟
فالنجاح في التدبير لا يُقاس بكثرة البلاغات والصور والأنشطة الرسمية، وإنما بما يلمسه المواطن على أرض الواقع، وبمدى تعزيز الثقة بين المؤسسة وشركائها، وترسيخ مبادئ الشفافية والإنصاف والحياد.
إن النقاش حول أداء التعاون الوطني بجهة بني ملال–خنيفرة ينبغي أن يظل نقاشا مؤسساتيا هادئا، بعيدا عن الشخصنة أو الاتهامات غير المثبتة، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يمنع الصحافة والمجتمع المدني والرأي العام من ممارسة حقهم في مساءلة تدبير المال العام وتقييم السياسات الاجتماعية، انسجاما مع الدستور الذي جعل ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد أسس الحكامة.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل تحتاج المؤسسة إلى مراجعة شاملة لأساليب التدبير وتعزيز الانفتاح على مختلف الفاعلين، أم أن ما يُقدَّم من حصيلة كافٍ لإقناع الرأي العام بأن الموارد العمومية تُستثمر بالكفاءة والنجاعة المطلوبتين؟ ذلك سؤال مشروع، والإجابة عنه لا تكون بالشعارات، بل بالأرقام، والتقارير، والنتائج الملموسة.
تنشر الجريدة هذا المقال في إطار انفتاحها على مختلف الآراء ووجهات النظر، مع التأكيد على أن الأفكار والمواقف والآراء الواردة فيه تعبر عن صاحبها، ولا تعكس بالضرورة الخط التحريري أو الموقف الرسمي للجريدة.
وتظل الجريدة منفتحة على جميع التعقيبات والردود والمقالات المضادة التي تحترم أخلاقيات النشر والقوانين الجاري بها العمل، إيمانًا منها بحق الرأي والرأي الآخر وإثراءً للنقاش العمومي المسؤول



