عبد الله أشوكان يكتب: أيُّ يسار هذا الذي يعترض على إنصاف الأمازيغية؟ جدل الميزانية وامتحان المصداقية السياسية

ليست اللغة مجرد وسيلة للتواصل، ولا أداة محايدة لتبادل المعاني، بل هي ذاكرة الجماعة حين تقاوم النسيان، وتاريخ الأرض حين يستعصي على المحو، ومرآة الإنسان حين يبحث عن مكانه داخل وطنه. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول الميزانية المخصصة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لا يمكن اختزاله في أرقام مالية واعتمادات حكومية؛ بل يلامس سؤالاً سوسيولوجياً وسياسياً عميقاً يتعلق بمعنى العدالة اللغوية، وحدود الاعتراف، ومدى قدرة الدولة على تحويل التنوع الثقافي من حقيقة تاريخية إلى ممارسة مؤسساتية قائمة على المساواة والإنصاف .
حين يعترض بعض الفاعلين المحسوبين على اليسار على تخصيص الاعتمادات المالية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فإن هذا الموقف يفتح الباب أمام مساءلة فكرية وسياسية تتجاوز الأشخاص والإطارات الحزبية الضيقة. فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الميزانية قابلة للنقاش أو المراجعة — إذ تظل كل النفقات العمومية خاضعة للمساءلة والحكامة المالية — وإنما يتعلق بالمنطلقات الأيديولوجية التي تحكم هذا النقاش: هل يُنظر إلى الإنصاف اللغوي باعتباره استحقاقاً دستوريًا وحقوقياً، أم باعتباره عبئاً مالياً يمكن التشكيك في أولويته بمعزل عن التاريخ الذي أنتج الحاجة إليه؟ إن الفرق بين الموقفين هو الفرق بين محاسبة النجاعة في السياسات العمومية ومساءلة الشرعية الحقوقية لمبدأ الاعتراف ذاته.
فالأمازيغية ليست لغة طارئة على الجغرافيا المغربية، ولا مكوناً ثقافياً مستحدثاً بقرار سياسي، بل هي اللغة الأصيلة التي تشكلت عبرها ذاكرة المجتمع المغربي وحُفظت بها تجاربه وأشعاره وأشكال مقاومته . لقد ظلت حاضرة في الحياة اليومية والوجدان الجماعي حتى حين جرى تهميشها مؤسساتياً. ولذلك، فإن الاعتراف الدستوري بها سنة 2011 لم يكن منحة سياسية بقدر ما كان إقراراً قانونياً بحقيقة تاريخية واجتماعية سابقة على الدستور نفسه. فالدستور لم يمنح الأمازيغية وجودها، وإنما أقر لها بحق الحضور الرسمي داخل الدولة التي أسهمت في تشكيل تاريخها.
ومن هنا، فإن تخصيص الموارد المالية لتفعيل رسمية الأمازيغية ينبغي أن يُفهم في سياق تصحيح اختلالات بنيوية تراكمت عبر عقود، وليس باعتباره امتيازاً تمنحه الدولة لمكون ثقافي على حساب آخر. فالإنصاف لا يتحقق بمجرد الإعلان الشكلي عن المساواة بين اللغات حين تكون شروط حضورها المؤسسي متفاوتة تاريخياً؛ بل يتطلب سياسات عمومية إيجابية قادرة على تقليص الفجوة بين الاعتراف القانوني والواقع العملي في مجالات الإدارة، والتعليم، والإعلام، والخدمات العمومية .
ومن يطالب بترشيد هذه النفقات مطالب بتقديم حجج تتصل بنجاعة التنفيذ وشفافية التدبير، لا بتحويل المبدأ الدستوري إلى موضع تشكيك أو التقليل من الحاجة إلى إنصاف تاريخي طال انتظاره.
وتتجلى المفارقة الفكرية في هذا النقاش حين تصدر مواقف متحفظة تجاه الأمازيغية عن تيارات سياسية تنتسب إلى اليسار، الذي يُفترض أن تكون مهمته الأساسية تفكيك علاقات الهيمنة ومساءلة الامتيازات التاريخية والدفاع عن الفئات واللغات المضيّق عليها. فاليسار ليس مجرد قاموس تتكرر فيه مفردات التحرر، بل هو، في جوهره النقدي، القدرة على اكتشاف أشكال الإقصاء الرمزي والمؤسساتي ، وإذا كانت العدالة الاجتماعية تقتضي مساءلة احتكار الثروة، فإن العدالة الثقافية تقتضي بدورها مساءلة احتكار الشرعية الرمزية والحق في تحديد اللغة التي تتحدث بها المؤسسات والتاريخ الذي تستحضره الذاكرة الرسمية.
ولا يمكن فهم هذه المفارقة بمعزل عن التأثيرات التي مارستها التصورات القومية الأحادية على أجزاء من النخب السياسية في شمال إفريقيا منذ مرحلة الحركات الوطنية . فقد تبنت بعض التيارات تصورات شمولية للهوية جعلت من اللغة العربية مركزاً حصرياً للانتماء القومي، وتعاملت مع الخصوصيات اللغوية المحليات باعتبارها عناصر ينبغي دمجها أو تقليص دورها لفائدة مشروع متجانس متخيل . غير أن الوحدة السياسية التي تقوم على محو الاختلاف لا تنتج بالضرورة مجتمعاً أكثر تماسكاً، بل قد تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي والثقافي تحت غطاء الانسجام الوطني.
إن الإشكال لا يكمن في الدفاع عن اللغة العربية، فهي مكون رئيسي للهوية الوطنية، وإنما في تحويل الدفاع عنها إلى منطق حدي يجعل من الاعتراف بالأمازيغية تهديداً لمكانتها. فالإنصاف اللغوي لا يقوم على لعبة صفرية (Zero-sum game)، بل على قاعدة التكامل والمساواة الدستورية؛ إذ إن النهوض بالأمازيغية لا ينتقص من مكانة العربية، بل يوسع المجال الديموقراطي الذي يعبر فيه المواطنون عن ذواتهم دون مفاضلة أو إقصاء.
وتزداد المسألة تعقيداً حين يُستحضر السجال حول الهيمنة الواسعة للغة الفرنسية في قطاعات الاقتصاد والإدارة والتعليم العالي. فقد ظلت مقاومة التبعية اللغوية للاستعمار حاضرة في أدبيات اليسار، وهو ما يجعل من المشروع التساؤل عن المعايير المُعتمدة في نقد الهيمنة اللغوية . فإذا كانت الفرنسية تُناقش باعتبارها نتاج نفوذ استعماري وتفاوت في فرص الارتقاء الاجتماعي، فمن التناقض المنهجي عدم إيلاء الاهتمام نفسه للتهميش المؤسساتي الذي تعرضت له الأمازيغية كـ”لغة أرض”. إن نقد الهيمنة يقتضي الاتساق الفكري وتجنب الانتقائية في التعاطي مع اختلالات التراتبية اللغوية.
لقد شكّل دستور 2011 محطة فارقة بتنصيصه في الفصل الخامس على رسمية اللغة الأمازيغية باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة. غير أن النص الدستوري لا ينهي تلقائياً التوترات الفكرية ولا يضمن الانتقال التلقائي للحقوق إلى الممارسة الميدانية؛ إذ تظل المسافة بين الرسمية القانونية والرسمية الفعلية شاسعة، وتُقاس بمدى حضور اللغة في المرفق العمومي وحجم الموارد المالية والبشرية المرصودة لإعمالها. ومن هذا المنظور، فإن ميزانية الأمازيغية ليست مجرد أرقام محاسباتية، بل هي مؤشر لقياس الإرادة السياسية في تحويل الالتزامات الدستورية إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والتقييم.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بانتصار لغة على أخرى، ولا بإعادة ترتيب مكونات الهوية وفق منطق الغلبة، وإنما بتحرير مفهوم المواطنة من كل تصور يجعل من التعدد اللغوي سبباً في التفاوت الثقافي أو الاجتماعي. واليسار الذي يطمح إلى الاستمرار كقوة مجتمعية تحررية مدعو إلى توسيع أفق نضاله ليشمل العدالة الثقافية واللغوية؛ فالوطن المتعدد لا يحتاج إلى نمذجة هوية مواطنيه كشرط لوحدتهم، بل إلى إرساء قواعد مؤسساتية تضمن المساواة في الكرامة والاعتراف لجميع أبنائه.



