أمين العصبى يكتب “وفاء” بين رواية المعاناة وصور الماضي: عندما يصبح اللجوء إلى السردية وسيلة لتبرير الهجرة

في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر أسرع من الحقيقة، وأصبحت الشهادة الشخصية قادرة على التأثير في الرأي العام خلال دقائق، تطرح بعض قصص الهجرة أسئلة تتجاوز مجرد التعاطف مع أصحابها. فبين حق الإنسان في رواية تجربته الشخصية، وواجب الإعلام في التحقق من الوقائع ووضعها في سياقها، توجد مساحة لا ينبغي أن يغيب فيها النقد ولا أن يتوقف فيها السؤال.
قصة الشابة المغربية وفاء، التي تبلغ من العمر 28 سنة، والتي وصلت سباحة إلى مدينة سبتة خلال موجة الهجرة الجماعية الأخيرة، أصبحت واحدة من القصص التي استُخدمت لتفسير الدوافع الشخصية لبعض الذين حاولوا الوصول إلى الأراضي الإسبانية.
في مقابلة مصورة نشرتها صحيفة «إل باييس»، تحدثت الشابة عن ظروفها العائلية، وعن الصعوبات التي قالت إنها واجهتها بسبب كونها امرأة، وعن انقطاعها عن الدراسة، كما تحدثت عن منعها من السفر وعن اختلافها مع أسرتها في مسائل دينية.




وتقول، بحسب ما نقلته المقابلة، إن عائلتها كانت تريد منها البقاء في المنزل، وإنها شعرت بأن أحلامها تُقتل بسبب القيود المفروضة عليها.
لا يمكن، بطبيعة الحال، إنكار حق أي إنسان في الحديث عن تجربته أو في انتقاد محيطه العائلي أو الاجتماعي. كما أن أي امرأة تتعرض فعلاً للعنف أو الإكراه أو الحرمان من التعليم تستحق الحماية والإنصاف.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرواية الشخصية إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، خصوصاً عندما تظهر معطيات أخرى تستوجب التحقق والتفسير.
صور من الماضي تطرح أسئلة
بعد انتشار المقابلة، ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي صور منسوبة إلى حسابات الشابة، تظهرها في عدد من الرحلات خارج المغرب، من بينها صور في قطر وتركيا، فيما أشارت منشورات أخرى إلى زيارات لدبي وماليزيا.
ومن بين الصور المتداولة صورة لها في مدينة لوسيل بقطر داخل ملعب، وهي ترتدي ألوان المنتخب المغربي، وصور أخرى من منطقة باموكالي في تركيا تعود، بحسب ما تم تداوله، إلى سبتمبر 2025.




هذه الصور لا تثبت، بمفردها، أن رواية الشابة كاذبة، ولا تسمح لنا بمعرفة الظروف التي تمت فيها تلك الرحلات، ولا من قام بتمويلها، ولا طبيعة علاقتها بأسرتها في تلك الفترات.
لكنها تطرح سؤالا مشروعا ومهما:
كيف يمكن الجمع بين القول إن الأسرة كانت تمنعها من السفر، وبين وجود صور متعددة لها في رحلات دولية خارج المغرب؟
هذا السؤال لا يعني التشكيك في كل ما قالته، وإنما يعني أن الصحافة الجادة مطالبة بتقديم الصورة كاملة، خصوصا عندما تكون بعض المعطيات الظاهرة متعارضة مع بعض عناصر الرواية.
*بين نقد الأسرة ونقد المجتمع والدين*
الأكثر حساسية في هذه القصة هو انتقال الخطاب من تجربة عائلية خاصة إلى تعميمات أوسع حول المرأة والمجتمع والإسلام.
من حق أي شخص أن يختلف مع أسرته في الدين أو الثقافة أو طريقة العيش. ومن حقه كذلك أن يختار مستقبله وأن يطالب بالتعليم والعمل والسفر والاستقلالية.
لكن من الخطأ أيضاً أن تتحول تجربة فردية، مهما كانت مؤلمة، إلى حكم شامل على مجتمع بأكمله أو على دين بأكمله.
فالمغرب، مثل أي مجتمع، يعرف اختلافات اجتماعية وثقافية وعائلية كبيرة. وهناك أسر محافظة وأخرى أكثر انفتاحاً، وهناك نساء يعشن ظروفاً صعبة، وفي المقابل هناك ملايين النساء المغربيات اللواتي يدرسن ويعملن ويسافرن ويخترن مساراتهن المهنية والشخصية.
كما أن الحديث عن الإسلام يحتاج إلى قدر من الدقة. فوجود اختلاف ديني داخل الأسرة لا يعني تلقائياً أن الإسلام هو المسؤول عن كل القيود التي تعيشها امرأة معينة. يجب التمييز بين الدين، والتقاليد الاجتماعية، والتفسير العائلي للدين، والممارسات الثقافية.
*عندما يصبح الوطن موضوعا للمرافعة*
هناك سؤال آخر أكثر حساسية ينبغي طرحه بعيداً عن التخوين أو الاتهام.
ماذا يحدث عندما يدرك المهاجر أن تقديم نفسه باعتباره ضحية للاضطهاد قد يساعده في الحصول على الحماية أو في تجنب العودة إلى بلده؟
هنا يمكن أن نتحدث عن استثمار المعاناة أو توظيف السردية الشخصية في سياق الهجرة واللجوء، لكن لا يجوز أن نقرر أن شخصا بعينه فعل ذلك عمدا دون أدلة واضحة.
المشكلة ليست في أن يطلب الإنسان الحماية إذا كان فعلا يحتاج إليها، وإنما في احتمال تحول بعض القصص الفردية إلى أدوات لإنتاج صورة نمطية عن بلدان ومجتمعات بأكملها.
ومن حق المغربيات والمغاربة الذين عاشوا تجارب مؤلمة أن يتحدثوا عنها بكل حرية، لكن من حق المغاربة أيضاً ألا تُختزل بلادهم في روايات فردية منتقاة، ولا أن يصبح انتقاد الوطن وسيلة تلقائية للحصول على التعاطف السياسي أو الاجتماعي.
*الصحافة مطالبة بالسؤال لا بالتصديق فقط*
القضية هنا ليست الدفاع عن المغرب ولا مهاجمة الشابة.
القضية هي الدفاع عن المهنية الصحفية.
إذا قالت “وفاء” في مقابلة إنها مُنعت من السفر، ثم ظهرت صور عديدة لها من رحلات دولية، فإن هذا التناقض الظاهر يستحق السؤال.
من دفع تكاليف السفر؟
متى بدأت القيود العائلية؟
هل كانت تلك الرحلات قبل حدوث الخلافات مع الأسرة أم بعدها؟
هل كانت الأسرة تمنعها من نوع معين من السفر أم من السفر بشكل عام؟
ما الذي حدث بالضبط في السنوات الأخيرة؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي الأسئلة التي يفترض أن يطرحها الصحفي قبل تقديم رواية فردية باعتبارها تفسيراً كاملاً لقصة الهجرة.
*لا نريد روايات جاهزة*
الهجرة ظاهرة معقدة، ولا يمكن اختزال أسبابها في الفقر أو القمع أو الدين أو الأسرة فقط.
هناك البحث عن العمل، والرغبة في تحسين مستوى المعيشة، والحلم بمستقبل أفضل، وتأثير شبكات الهجرة، والصور التي تقدمها أوروبا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأسباب شخصية وعائلية كثيرة.
وفي حالة وفاء، تقول الرواية المنشورة إنها تريد الوصول إلى برشلونة، حيث تأمل في العثور على عمل اعتماداً على خبرتها في قطاع الفنادق والمطاعم ومعرفتها باللغات.
وهذا في حد ذاته يكشف أن القصة أكثر تعقيداً من مجرد ثنائية «ضحية» و«بلد مضطهد».
إن التعاطف الإنساني لا يتعارض مع التفكير النقدي.
يمكننا أن نتعاطف مع امرأة تنام في ظروف صعبة بالقرب من مركز الإقامة المؤقتة في سبتة، وأن نحترم حقها في الدفاع عن تجربتها، وفي الوقت نفسه نطالب بأن تكون كل الروايات خاضعة للتحقق والمقارنة بين الأقوال والوقائع.
فالحقيقة لا تحتاج إلى المبالغة، والكرامة لا تحتاج إلى تشويه الوطن، والاختلاف مع الأسرة لا يعني بالضرورة إدانة مجتمع بأكمله.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن ينتقد الإنسان بلده، فهذا حقه، وإنما في أن يتحول الوطن إلى مجرد متهم دائم، وأن تتحول المعاناة الشخصية إلى بطاقة عبور، وأن يصبح الإعلام مطالباً بالتصفيق للرواية بدلاً من مساءلتها.
نحن بحاجة إلى صحافة تسمع الضحية، نعم؛ لكنها تسأل أيضاً.
تتعاطف، نعم؛ لكنها تتحقق.
وتحترم الإنسان، دون أن تتخلى عن الحقيقة.



