تقرير غوتيريش يكشف تفاصيل جديدة عن مفاوضات الصحراء.. “مجلس انتقالي” واتفاق إطار لمرحلة انتقالية

كشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن الحالة المتعلقة بالصحراء، المؤرخ في فاتح أكتوبر الجاري والحامل للرمز S/2026/781، عن دخول المسار السياسي للنزاع مرحلة جديدة خلال سنة 2026، بعدما انتقلت المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، من مناقشة المواقف العامة إلى بحث ترتيبات عملية لمرحلة انتقالية محتملة.
وأفاد التقرير بأن اعتماد مجلس الأمن للقرار رقم 2797 لسنة 2025 أعطى زخماً جديداً للمسار السياسي الذي يقوده المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، حيث شهد الربع الأول من سنة 2026 ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة، هي الأولى من نوعها منذ نحو سبع سنوات، بتنسيق بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
وبحسب الوثيقة الأممية، احتضنت واشنطن الجولة الأولى يومي 18 و19 يناير 2026، فيما عقدت الجولة الثانية في مدريد يومي 8 و9 فبراير، قبل أن تستضيف واشنطن الجولة الثالثة يومي 23 و24 فبراير. ومكنت هذه الجولات من الانتقال تدريجياً إلى مناقشة تفاصيل أكثر ارتباطاً بترتيبات التسوية والمرحلة الانتقالية المحتملة.
مجلس انتقالي واتفاق إطار
ومن أبرز المعطيات التي كشف عنها التقرير بحث المشاركين إمكانية إنشاء “مجلس انتقالي” يتولى إدارة عدد من العمليات خلال مرحلة انتقالية محتملة، ويوفر في الوقت نفسه إطاراً لمواصلة التفاوض حول تفاصيل الحل السياسي.
وشملت النقاشات خلال الجولة الثانية قضايا تقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والترتيبات الأمنية، إضافة إلى النظم الانتخابية. كما ناقشت الأطراف دور الجهات الدولية والضمانات المرتبطة بتنفيذ أي تسوية يتم التوصل إليها.
وبناء على طلب المشاركين، عمل فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إعداد مشروع أولي لاتفاق إطاري بشأن مرحلة انتقالية محتملة، إلى جانب صياغة مواقف توافقية بشأن عدد من القضايا التي كانت موضع نقاش. وعُرضت هذه الوثائق خلال الجولة الثالثة، التي شهدت مناقشات معمقة بشأن المجلس الانتقالي وعناصر أخرى من التسوية.
كما امتدت المباحثات إلى مسألتي تقرير المصير والسيادة، وهما من أبرز نقاط الخلاف بين الأطراف، قبل أن يقرر الرئيسان المشاركان بحثهما بشكل منفصل مع كل طرف بهدف استكشاف حلول ممكنة.
الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات
وسجل التقرير أن المفاوضات اتخذت مقترح المغرب للحكم الذاتي أساساً للمباحثات، وفقاً لما نص عليه القرار 2797. وفي هذا السياق، أعد المغرب “مشروع نظام للحكم الذاتي” يفصل المقترح الذي قدمه سنة 2007، وجرى تقاسم الوثيقة مع دي ميستورا والولايات المتحدة، إلى جانب جبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، في يناير 2026.
وأوضح التقرير أن الوثيقة المغربية لم تُعمم على نطاق واسع، لأنها أعدت أساساً لتكون أرضية للمفاوضات وليست اتفاقاً نهائياً.
وفي المقابل، كانت جبهة البوليساريو قد وجهت، في أكتوبر 2025، إلى الأمين العام للأمم المتحدة وثيقة تضمنت تفصيلاً لمقترحها السابق المتعلق بـ“ضمانات ما بعد الاستفتاء”، قبل أن تتم مشاركة الوثيقة مع أعضاء مجلس الأمن بناء على طلبها.
وشدد دي ميستورا، بحسب التقرير، على أن أي مقترح للحكم الذاتي ينبغي أن يستجيب لأعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى “حكم ذاتي حقيقي” يتطلب ضمانات دولية قوية، إلى جانب عملية تشاور ذات مغزى مع السكان وفقاً لمبدأ تقرير المصير.
تحولات في مواقف عدد من الدول
وربط التقرير بين الدينامية الجديدة للمفاوضات والتحولات التي طرأت على مواقف عدد من الدول عقب اعتماد القرار 2797، مشيراً إلى أن السويد وسويسرا أعربتا عن دعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً ذا مصداقية للمفاوضات.
كما أشار إلى تعليق مالي وهندوراس اعترافهما بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وتعليق بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية بها في فبراير 2026، فضلاً عن إعادة مدغشقر وكندا واليابان التأكيد على دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
وأضاف التقرير أن الاتحاد الأوروبي حدّث موقفه الجماعي في يناير 2026، مؤكداً أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً لها.
استمرار التوتر الميداني
وعلى المستوى الميداني، سجل التقرير استمرار الوضع المتوتر ووقوع أعمال عدائية منخفضة الحدة، مع تلقي بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “مينورسو” تقارير عن إطلاق نار من جانب جبهة البوليساريو باتجاه وحدات من الجيش الملكي المغربي عند الجدار الرملي أو بالقرب منه.
وسجل التقرير، على الخصوص، حادثة إطلاق نار في السمارة في 5 ماي، وقعت في منطقة كان يوجد فيها مدنيون، وأسفرت عن إصابة مدني وإلحاق أضرار مادية بموقع الارتطام. كما وثق ضربات بطائرات مسيّرة شرق الجدار، بينها ضربات في منطقة ميجك خلال يونيو، حيث عثرت البعثة على مركبتين مدنيتين متضررتين.
وقال دي ميستورا، وفق التقرير، إن “هذا وقت الحوار والمفاوضات، وليس وقت التصعيد العسكري”، فيما أدانت الولايات المتحدة الهجوم على السمارة واعتبرته غير منسجم مع روح المحادثات.
وحتى 15 أغسطس 2026، بلغ عدد أفراد المكون العسكري في بعثة “مينورسو” نحو 155 فرداً، بينهم 27 امرأة، فيما نفذت البعثة دوريات برية غطت حوالي 296 ألفاً و164 كيلومتراً، إضافة إلى 152 طلعة استطلاع جوي غرب الجدار.
مساعدات محدودة ومقترحات لبناء الثقة
إنسانياً، أفاد التقرير بأن الأمم المتحدة واصلت تقديم المساعدات للاجئين في مخيمات تندوف، في ظل فجوة كبيرة في التمويل. فقد حصلت خطة الاستجابة لسنة 2025 على 57.9 مليون دولار من أصل 104 ملايين دولار، فيما لم تتجاوز نسبة التمويل المتوفر لخطة 2026، حتى نهاية يونيو، 17 في المائة من الاحتياجات.
وفي ظل استمرار تجميد تدابير بناء الثقة، اقترح دي ميستورا، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تنظيم “زيارات استطلاعية” فردية وطوعية للاجئين من مخيمات تندوف إلى العيون والداخلة، بهدف الاطلاع على الظروف في الصحراء وعلى تفاصيل مقترح الحكم الذاتي. وأشار التقرير إلى أن جبهة البوليساريو أبدت استعدادها للتعاون في تنفيذ هذه المبادرة.
وفي مجال حقوق الإنسان، سجل التقرير استمرار عدم تمكن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان من الوصول إلى الإقليم منذ سنة 2015، رغم الطلبات المتكررة، مع ورود تقارير بشأن قيود على دخول مراقبين دوليين وصحفيين وتراجع الحيز المدني.
في المقابل، قدم المغرب مذكرة شفوية إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان تضمنت معطيات بشأن تعاونه مع الآليات الأممية والتدابير المتخذة لضمان التمتع بالحقوق والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أثار مخاوف بشأن ما وصفها بانتهاكات لحقوق الإنسان داخل مخيمات تندوف.
غوتيريش يدعو إلى استثمار زخم المفاوضات
وفي خلاصاته، اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أن استئناف المشاركة المباشرة في المفاوضات يمثل تطوراً مشجعاً، داعياً الأطراف إلى اغتنام الفرصة والانخراط بحسن نية من أجل التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول بشكل متبادل.
ودعا غوتيريش إلى استكشاف إمكانية تحقيق “حكم ذاتي حقيقي”، مشيراً إلى أن ذلك “يمكن أن يمثل نتيجة هي الأكثر قابلية للتحقق”، مع التأكيد على أن أي تسوية ينبغي أن تتضمن عملية تشاور هادفة مع السكان وحريتهم في الاختيار، إلى جانب توفير ضمانات قوية لتنفيذ الاتفاقات.
كما جدد الأمين العام دعوته إلى وقف الأعمال العدائية وإعادة إرساء وقف إطلاق النار بشكل كامل، وأوصى بتمديد ولاية بعثة “مينورسو” لمدة سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع مراعاة تطورات العملية السياسية.
ويبرز التقرير بذلك مساراً تفاوضياً جديداً انتقل، خلال سنة 2026، إلى مناقشة ترتيبات عملية للمرحلة الانتقالية، بما في ذلك فكرة “المجلس الانتقالي” ومشروع اتفاق إطار، بالتوازي مع استمرار النقاش حول الحكم الذاتي وتقرير المصير والسيادة.



