سارة سوجار تكتب لماذا سأقاطع الانتخابات؟
عشنا خلال السنوات الماضية القمع والاعتقالات والتضييق…وعشنا الفقر والتهميش والفساد….ورأينا شبابا يفقدون الثقة في بلدهم وفي إمكانية أن يجدوا لأنفسهم مكانا ومستقبلا فيه، إلى درجة أصبح معها البحر، بكل مخاطره، يبدو للبعض أرحم من البقاء.
..في المقابل …عشنا احتجاجات وحراكات….وصمودا كبيرا للمواطنات والمواطنين….
خرجت إلى الواجهة أجيال جديدة ترفض الصمت وتحاول أن تجد مكانها في السياسة وفي المجال العام، وتحاول بطريقتها أن تعيد ترتيب هذا المجال حول مطالب الحرية والكرامة والعدالة للجميع دون تمييز.
كل هذا كان يفترض، ونحن مقبلون.ات على الانتخابات، أن يضعنا أمام نقاش سياسي حقيقي نسائل فيه أنفسنا بجدية: أين نحن اليوم؟ ماذا حدث لهذا البلد خلال السنوات الماضية؟ لماذا اتسعت الفوارق؟ ولماذا فقد جزء كبير من الشباب ثقته في المؤسسات… وفي العمل السياسي والحزبي؟ لماذا أصبحت الكلمة والرأي والاحتجاج مكلفة؟ ولماذا أصبحت الهجرة، بالنسبة إلى عدد كبير من الشباب، مشروعا للحياة حتى وإن كان طريقه يمر من الموت؟
وقبل كل ذلك، لماذا لا نطرح السؤال الأهم: ما هو المغرب الذي نريد؟ و ما مضمون الحرية التي نريد؟ وأي وطن نريد أن نتركه للأجيال المقبلة؟
بالنسبة إلي، الانتخابات لا تبدأ يوم التصويت….تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ من الحق في التعبير والاحتجاج والتنظيم والاختلاف، ومن وجود حياة سياسية حقيقية، ومن أحزاب تتحمل مسؤوليتها، ومن مؤسسات تقبل النقد والمساءلة، ومن مواطن يشعر أن صوته له معنى قبل أن يطلب منه أن يضعه في صندوق الاقتراع.
لا أستطيع أن أتحدث عن المشاركة السياسية بينما ما زال أشخاص يؤدون ثمن آرائهم ومواقفهم واحتجاجاتهم بالسجن. فحرية التعبير والاحتجاج ليستا تفصيلا في الديمقراطية، وليستا امتيازا يمنح عندما تسمح الظروف أو عندما تكون الأصوات مقبولة، وليستا أقواسا تفتح وتغلق دون ضمانات.
ومن الصعب علي أن أقتنع بمشاركة سياسية كاملة في فضاء لا يشعر فيه الجميع بالحرية نفسها في الكلام والاعتراض والنقد…..
كما يصعب أن أقتنع بحياة سياسية يمارس فيها التشهير وتوزيع الاتهامات وتدنيس السمعة وتصفية الحسابات، ويتم التطبيع مع كل ذلك في الفضاءين العام والخاص دون حسيب أو رقيب….
أقاطع هذه الانتخابات لأنني لا أفهم كيف يمكن أن نطلب من الشباب أن يشاركوا في السياسة، ثم نضيق عليهم عندما يدخلونها بأصواتهم الحقيقية، لا بترديد المواقف التي يراد سماعها منهم……لا يمكن أن نقول للشباب: شاركوا، ثم يصبح وجود بعضهم مزعجا عندما يقررون المشاركة بموقف مستقل، و برأي ممانع ……فيتم محاصرتهم و التضييق عليهم في حياتهم المدنية والسياسية.
أقاطع هذه الانتخابات لأني لا أستطيع أن أنسى معتقلي حراك الريف….ولا معتقلي الحراكات والاحتجاجات، ولا الشباب والفنانين والناشطات والحقوقيين،…. و لا أستطيع أن أنسى كل من دفع، بطريقة أو بأخرى، ثمن موقف أو كلمة أو احتجاج….
وحين نصل إلى هذه الدرجة….يفترض أن تصمت البهرجة و الغطرسة ….و تتوقف السياسة قليلا…و
أن تؤجل حساباتها الصغيرة، وأن تقول الحقيقة و تواجهها و تحاسب المسؤولين عنها…….
أقاطع كذلك … لأنني أبحث عن نقاش سياسي آخر…..نقاش حول الحرية والعدالة الاجتماعية،حول المدرسة والمستشفى والشغل والكرامة، حول الشباب والهجرة، حول توزيع الثروة والسلطة، حول المحاسبة وربط المسؤولية بها، وحول معنى أن يشعر الإنسان بأن هذا الوطن يتسع له فعلا….
أقاطع لأني أبحث عن مشاركة حرة لها معنى وتأثير، وعن مواطن يعرف أن هناك من يسمع صوته وينصت إليه ويحاوره، سواء اتفق معه أو اختلف معه….لا عن مشاركة شكلية تنتج قرارا يصنع في دوائر مغلقة بعيدا عن أصوات المواطنات و المواطنين….
أقاطع لأن ما حدث في هذا البلد يعنيني…لأن السجون تعنيني، ولأن الهجرة تعنيني،….ولأن الفقر والتهميش يعنيانني، ولأن حرية الناس وكرامتهم تعنيانني…..ولأنني لا أستطيع أن أتعامل مع كل هذه الجراح وكأنها أرقام و ملفات يمكن إغلاقها مؤقتا إلى أن تنتهي الانتخابات.
لا أقول إن المقاطعة هي الموقف الوحيد الممكن، ولا إن من يختار المشاركة مخطئ……هذا اختياري أنا، وموقفي من لحظة سياسية لا أستطيع أن أفصلها عن كل ما سبقها…..و لا أستطيع أن أراها لحظة معزولة عن استمرار سياق السلطوية و التضييق الذي نعيشه منذ سنوات….
أقاطع …لأن لحظة الانتخابات كان يمكن أن تكون لحظة سياسية نقول فيها جميعا ….لا مشاركة دون حرية…و لا صناديق انتخابية عبر السجن ….و لا سياسة بالتطبيع مع دفن الموتى …و لا مستقبل دون محاسبة و مساءلة….
….وإلى أن يودع شبابنا السجن، وإلى أن تبدأ الجراح في الالتئام، وإلى أن يتحقق انفراج حقيقي، وإلى أن نصنع للحرية ضمانات لا تجعلها رهينة الظروف والأشخاص….سيبقى بالنسبة إلي الصمود والتضامن هما المداخل الأولى لإعادة صياغة التوازنات ….. و يبقى الخفاظ على مساحات الحرية الحاضنة الوحيدة لما تبقى من الأمل والحلم….
بالتوفيق لشرفاء الوطن أينما كانوا …و كيفما كانت التقديرات التي يرونها في كل اللحظات ….و الحرية أولا و أخيرا لجميع المعتقلات.ين…



