سليمان اقديم يكتب سبتة… حين يُفنِّد الواقع تجار السوداوية!

سليمان اقديم، أستاذ التعليم الثانوي المديرية الإقليمية بني ملال.
لم أكن يوما لأكتب في موضوع مثل موضوع الهجرة الذي أعتبره قضية مجتمعية تحتاج وقفة تأمل من الجميع، لولا تلكم الحالة من الاشمئزاز الفكري التي تملكتني وأنا أتابع، خلال الأيام الماضية، كمية السواد التي طفحت بها بعض المقالات الصحفية، وما بثته قناة “دويتشه فيله DW عربية” في إحدى استضافاتها المفصلية. بلطافة مصنعة ولسانٍ يتشدق بـ “التحليل السوسيولوجيوالسياسي المستقل”، حيت أطل علينا أحد “نجوم اللحظة“، ذلك الذي يحترف ارتداء جلباب المعارضة الأكاديمية الاستعراضية، ويتنقل بصفتيه كـ “صحفي ومحلل سياسي” ليوزع النظريات النقدية حول الأزمات والهجرة دون أن يحمل يوماً مشروعاً عملياً واحداً ليقدم للعالم طبقاً مسموماً من التبخيس والجلد الذاتي.
تنقل صاحبنا في الميكروفونات مستعرضاً فصاحته اللغوية المعهودة في “تفكيك” البلاغات والردود الرسمية، يهاجم الدولة ويدعي امتلاك مفاتيح الفهم العميق، حتى وصل به الشطط الفكري في استضافته الأجنبية إلى محاكمة الخطاب المؤسساتي والتسفيه المباشر للرواية الرسمية، مطلقاً عبارته المشهورة التي يرددها بسخرية ومزايدة: “البلاغ شرح كيف تحركت الحشود، لكنه ترك السؤال الأكبر بلا جواب ولم يخبرنا لماذا هرب عشرات الآلاف من الوطن؟”! هكذا بضربة قلم يحول أزمة أمنية وجيوسياسية إلى مادة للتبخيس واستعراض البطولة الكلامية أمام الكاميرات، دون أن يقدم فكرة واحدة تصلح لبناء لبنة في هذا الوطن!
في هذا البلد، أصبحت لدينا فئة من “الكهنة الجدد” للتحليل والتنظير، ممن يقتنصون الفرص والأزمات ليطلوا علينا بأحاديثهم الطويلة المقسمة إلى نقط وتحليلات نقدية، لا يطيب لهم العيش إلا في جوائز المآتم ومواسم الندب. ناس لا يملكون في جعبتهم الفكرية سوى منظار أسود، لا يرون به إلا النصف الفارغ من الكأس، بل إنهم يسارعون إلى كسر الكأس بأكمله إذا تبين لهم أن فيه قطرة أمل واحدة! أصحابنا هؤلاء، الذين يتنافسون في الدونكيشوتياتاللفظية ويسابقون الزمن لحشد القراء ودغدغة العواطف على الشاشات، جعلوا من “النقد” مهنة مربحة ومن “تشريح الجثث التنموية” تجارة ناعمة لا تكلفهم سوى بضع كلمات منمقة وظهور في برنامج تلفزيوني.
المشكلة ليست في أن تنتقد الفساد أو تشير إلى الاختلالات، فهذا البلد فيه من المشاكل الاقتصادية والتردي السياسي ما لا ينكره إلا مجنون أو منافق. المشكلة الحقيقية هي في هذه “البطولة الورقية والإعلامية” التي يمارسها هؤلاء؛ تجدهم دائمًا في أول الصفوف عندما يتعلق الأمر بجلد الذات وتسويق صورة مظلمة عن الوطن للخارج، لكنك لن تجد لأحدهم أثرًا في مبادرة إنسانية واحدة أو حملة تضامنية تقي فقيرًا برد الشتاء أو حر الصيف!
في الوقت الذي يقبع فيه أصحابنا في أبراجهم العاجية واستوديوهاتهم الفخمة يمارسون “العدمية البلاغية”، تجد شبابًا بسيطًا، كل ما يملكه هو صفحة على “الفايسبوك“، يملك من الوطنية والشهامة ما يعجز عنه طنٌّ من المقالات والمقابلات الفضائية. شباب من طينة “السوردو” أو “فايسبوكي حر” وغيرهم، ينزلون إلى الميدان، يجمعون التبرعات، يبنون منازل للأرامل، يحفرون الآبار في قمم الجبال النائية، ويوفرون تكاليف العمليات الجراحية للمرضى المقعدين. هؤلاء يسهمون في بناء الوطن بقطرة عرق، وأولئك يهدمون معنوياته ببحار من حبر الحسرة واللغو الإعلامي!
الأدهى من ذلك، أن هذه الأقلام وتلك التصريحات، بنظرتها القاصرة، صارت تمارس تضليلاً ناعماً وتسوق الناشئة نحو المجهول. تجدهم يبررون للهجرة السرية ويكسبونها “شرعية أخلاقية” لمجرد أن الظروف الصعبة موجودة. لكنهم، بنفاقهم الفكري، ينسون الحديث عن القصة الحقيقية كاملة! ينسون أن يخبرونا عن أولئك الذين يبحثون عن الغش في الامتحانات ويرفضون التحصيل الدراسي، ثم يتباكون لأن السوق لم يفتح لهم الأحضان! ينسون من يريد التوظيف بغير وجه حق، ومن يريد الفوضى في الشارع العام، ومن يقضي يومه متسمراً أمام شاشة الهاتف ينتظر أن تمطر عليه السماء ذهباً أو فضة!
ينسون آلاف المراهقين والشباب الذين يغادرون مقاعد الدراسة طواعية في ظاهرة هدر مدرسي صادمة اختيارها التسرب والاستسهال على حساب التحصيل والمثابرة، ثم تجدهم في الشوارع يمارسون كل أشكال التسيب والتهور المروري بالدراجات النارية، معتدين على النظام العام وحرمة الطريق، ومطالبين بالحقوق دون أدنى اعتبار للواجبات! ينسون من يقضي زهرة شبابه في المقاهي متسكعاً على حواف الأرصفة ينتظر “الوظيفة الجاهزة”، مستنكفاً عن تعلم حرفة أو مراكمة خبرة أو الاستثمار في ذاته. هؤلاء جميعاً يريدون منافع الوطن، لكنهم يتناسون تماماً متطلبات “الوطنية” والتزام المواطنة المسؤولة!
ولعل الصدمة الكبرى تكمن في المفارقة العجيبة: نفس هؤلاء الشباب الذين يرفضون بذل أي مجهود هنا، عندما يهاجرون إلى الخارج ينضبطون للقوانين الصارمة، ويشتغلون بجد وانضباط ليساهموا في بناء مجتمعات غير مجتمعاتهم! فهل المشكلة في الوطن أم في ثقافة الهروب والاستسهال التي يشرعنها محللونا المحترمون؟
يا هؤلاء.. كفوا عن بيع الوهم وتسويق ثقافة الاستسلام! فالصحافةالنزيهة والتحليل الوطني لا يقتضيان التطبيل، ولكنها بالتأكيد لا تُبنى بعرض البضائع الفاسدة وتسميم العقول عبر الشاشات. وكما يقال في المأثور: “لا هكذا تُحلب النوق”، ولا هكذا تُشَيَّد الأوطان! الأوطان لا تُبنى بتقديم الهروب الجماعي كحل، ولا بالتنظير العدمي الذي يستمرئ زرع الخيبة وحصاد التفاعلات الرقمية. الأوطان تُبنى بالمواطنة الصلبة، بالنضال الميداني والتضحيات الحقيقية التي تصر على خلق البدائل من الداخل وترفض الاستجداء أو النواح. أما البطولات الفضائية والمزايدات الفكرية التي تقتتاً من الأزمات، فلن تزيدكم إلا صغاراً في عيون الميدان، ولن تزيد الوطن إلا مناعة ضد أقلامكم المنتهية الصلاحية!



