عصام اخيرى يكتب فلسفة التكامل المعرفي ضرورة الإصلاح المنهجي

عصام اخيرى-خريج ماستر العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية تكامل المناهج والمعارف
ملخص:
يهدف البحث الى إعادة الإعتبار للعلوم الكونية والشرعية التي انفصلتا، في إطار من الجمود الفكري الذي لحق كلا العقلين، الإسلامي والغربي، فالأخير له من الأزمة نصيب التخلف الإنساني الذي أصاب منهجه العقلي، إلى حد القول بتأليه الإنسان، والعقل الإسلامي النائم الذي بدأ يستيقظ من سبات نومه، حتى تدارك هفوة تخلفه، لهذا تأتي الدراسة في إعادة المنهجية الى بعدها الوظيفي الذي كانت عليه؛ استنادها الى الحق الشرعي للقول الحق، واتخذنا في هذا البحث المنهجي لفلسفة التكامل المعرفي من خلال ابراز معالم المنهجية الإسلامية، باعتبارها إنسانية، لا خاصة منغلقة، مما يجعل المنهجية الإسلامية فلسفة التكامل المعرفي، فمن خلال البحث، يمكن القول بناء على هذه الدراسة أن مصادر المنهجية الإسلامية تشكل معالمها، التي تقوم على منطلق الجمع بين القراءتين، فمعالم المنهجية الإسلامية لا تزال في أمس الحاجة الى البحث ومزيد من الجهد وإعادة النظر في مصادر المعرفة التي تختلف كليا، بين الفكري الإسلامي والفكر الغربي.
الكلمات المفتاحية:
التكامل المعرفي-الجمع بين القراءتين-التوحيد-العلوم الكونية-العلوم الشرعية-المنهجية القرآنية
مقدمة
يعاني الفكر الإسلامي المعاصر من مجموعة من الأزمات التي لا تزال تعيق اهتمامه بقضاياه المعاصرة، فمن جهة الأزمة، لا يزال في صراع منهجي مع المقلدين المتعصبين، الرافضين لأي حوار بغية تحليل وغربلة التراث، مشكلين بذلك عائقا يعيق محاولات الإجتهاد والتجديد وإصلاح البنية المعرفية للفكر الإسلامي المعاصر، لهذا قدم محمد أبو القاسم حاج حمد في مختلف كتبه وخاصة العالمية الإسلامية الثانية جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، ومنهجية القران المعرفية، تأسيسا نقديا معرفيا ومنهجيا؛ لتفكيك البنى المعرفية والمنهجية للتراث، مع نقد منهجي للفلسفة الوضعية الغربية، بالإضافة إلى انغماس فئة من المفكرين في اشكالات القرن التاسع عشر، من الافغاني إلى مدارس الإصلاح في المغرب العربي.
إن نكوص الحركات الإصلاحية في الفكر الإسلامي الحديث، وما خلفته من تردِّي منهجي، في الإصلاح، حيث دنى كل واحد منهم إلى مكمن الداء، فاختلفت المناهج، والميادين من مفكر لأخر، فالكواكبي في طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد، قد بين أن أصل التردي والإنحطاط الذي مرده إلى الإستبداد السياسي، في حين أن شكيب أرسلان في لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ حدد التقهقر في الوهن وعدم الثقة بالنفس، وترك الجهاد، ومحمد عبده، وقد وضع أصبعه على المنبع الصحيح في رأينا، وهو إصلاح المنظومة التربوية.
مشكلة الدراسة:
تتجلى إشكالية الدراسة في محاولة منهجية أن تجيب عن مجموعة من الإشكالات التي قد تشير إلى شيء من الجوانب التي يجب تناولها بالإسهاب والتحليل، كيف للتوحيد أن يشكل منطلق المعرفة؟ وما هي مصادر المنهجية الإسلامية؟ وهل تتكامل هذه المصادر؟
إن الهفوات المنهجية، التي تنخر المشاريع الإصلاحية، وكذلك المشاريع النقدية؛ النقد الهدام، الذي يبحث عن الهفوات الذاتية للباحث، دون البحث عن المكملات التي يمكن أن يبني عليها الناقد مشروعا مكملا للمشروع الـمُنتَقد، إذ أننا في أمس الحاجة إلى إعادة هيكلة مفهوم النقد في الثقافة العربية المعاصرة، سواء لدى الناقد، بصفة عامة، ولدى الـمُنتَقد بصفة خاصة، لأن التصور الذي يُبنى لدى المفكرين، أن مشاريعهم مكتملة المنهج، ومكتملة الأصل، في حين أن الأصل فيها، الظن دون اليقين، فلا الناقد يبحث عن مكملات لتتمة المشروع، فيتجه إلى النقد الشخصي للمفكر، ولا الـمُــنتَقد يتقبل النقد بالمعنى الذي فقده المعنى الأصلي.
تشكل المعرفة بمفهومها الإدراكي والوعي بالوجود بعقل مجرد منفتح ومتحرر من قيود النفس والميل نحو العاطفة، منطلقا فلسفيا لتبني نظرية التكامل المعرفي، كما يقول حسن فتحي ملكاوي باعتبارها “وحدة المعرفة تشكل الأساس المنطقي لتكاملها”، فوحدة المعرفة تتجلى في التماسك بين مختلف العلوم دون تفرقة بين العلوم الكونية والعلوم الشرعية، بل إن الوحدة يجب أن تتسم بها العلوم فيما بينها دون أفضلية، وهذا ما يعاني منه الفكر الإسلامي، إذ نجد في مقدمات المصادر التاريخية للعلوم، تحيزا لعلم دون أخر، باعتباره أفضل العلوم كونه خادم للقرآن المجيد بالنسبة للتفسير، وكذلك القول في الحديث النبوي كونه خادم كلام الرسول الموقر صلى الله عليه وسلم إلخ…، فظن من ظن أن علم الحديث يغني الفقيه، عن الإطلاع على التفاسير وأصول الفقه، فبذلك نشأ التشتت بين العلوم ذاتها، فنتج عنه انغلاق لاهوتي، يقصي الآخر من ساحة الفكر.
إن التوحيد يشكل الأساس لمختلف المنطلقات الفكرية، باعتباره فلسفة الوجود البشري، التي قام عليها الوجود في حلة العمل الإنساني بين عبادته وعمله، منذ أن وطأة قدم آدم في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وذلك عبادة وعملا في سبيل تحقيق الإستخلاف وتفعيل المقاصد العليا الحاكمة، كما تجدر الإشارة إلى أنه يجب أن نميز بين حقيقة التوحيد في الإسلام بمفهومه القرآني، وبين التوحيد في الفلسفة الوضعية اللاهوتية المسيحية، فمفهومه القرآني “رؤية عامة إلى الحقيقة والكون والزمان” لا يفرق بين الدين والدنيا، شامل للوجود بأبعاده المقاصدية، كما أن التوحيد باعتباره مبدأ أساسي قامت عليه الحضارة الإسلامية، لا يفرق بين الشعوب ولا الأمم، بل كل لديه متساو في خلقه، إلا أن يتفاضلوا بالتقوى، فذلك أساس التفاضل.
ومبدأ التوحيد الذي نعتبره كما سبق حقيقة الوجود، فهو الأساس المؤسس والمنهج الواضح للتكامل المعرفي ، باعتباره المقصد الأساس من المقاصد العليا الحاكمة، ومن خلال هذه الرؤية القرآنية للتوحيد فإنه ينهي الجدل القائم بين إشكالية الوحي والعقل-أو النقل والعقل-، فمن خلال تصديق مقتضيات والمحددات المنهجية القرآنية، والتسليم بكل ما له صلة وصل لا طاقة للعقل ببلوغه، فالعقل عاجز عن الإدراك الكلي لعالم الإرادة، وله سبيل التسليم الإيماني بوجوده دون أن يحيط بعلمه دلالة عقلية، إلا ما أشار إليه الوحي من عالم الغيب، دون أن يكون له تفسير أو تأويل في عالم الشهادة.
فالتوحيد إذن وحدة الحقيقة المطلقة ومبدأ لرفع تناقض النقل والعقل، باعتباره “أعلى صور المعرفة والغاية النهائية من جميع المساعي الفكري الإنساني المسلم”، ولإرتباطه بالحقل المعرفي فإنه منطلق فلسفة الإصلاح من مختلف جوانبها، والحركات الإصلاحية التي لم تصل إلى حقيقة الإصلاح، قد غيبت مبدأ التوحيد كأساس وكمنطلق جوهري للإصلاح.
تبين أن الإصلاح الكوني مرهون بالجمع والتوفيق بين القرآن المجيد، والكون المنظور، فمن هذا المنطلق نقول بأن الجمع بين القراءتين التي نادى بهما الله الخالق في بداية التنزيل، قد شكلت محددا منهجيها في التكامل المعرفي، بمفهومة الأكمل وذلك “من خلال الجمع بين جوانب الكون المادي (مثل الأشياء والأحداث والظواهر) والكون الإجتماعي (مثل سنن التغيير والتدافع والتداول) النفسي (مثل الهدى والفجور والإيمان والثقافة والكفر) والجمع بين جوانب الوحي القرآني…”، إذ تدخل الرؤية الإسلامية التي تتمثل في اعتبار الكون مسرح الأحداث حيث تمت صياغته وفق سنن ونواميس كونية منطقية، لا يمكن لها أن تتناقض فيما بينها، فالكون مساحة الكد والاجتهاد، والعمل والتعب، وذلك بغية النزول منزلة الصدقين والشهداء في عالم الإرادة، والرؤية الإسلامية للكون ، تخالف وتنقض الرؤية الغربية للكون في تفسير العلاقة التي تجمع بين الإنسان والطبيعة، فهي من منطلق الرؤية الإسلام، علاقة تسخير واستخلاف، علاقة تكامل، عكسها في الرؤية الغربية، علاقة استبداد وقهر، وصراع.
فالرؤية الإسلامية للكون تشكل مع التكامل المعرفي، نظرا للتشارك الجذري بينهما في الإستمداد المعرفي من التوحيد، “فالمدخل التوحيدي يتضمن إقامة التكامل والتداخل بين الوحي الإلهي في الكتابين المسطور والمنظور”.
إذ يشكل المنهج في الحياة، أحد المرتكزات الفكرية والعلمية التي من خلالها يمكن لأي عمل كان، أن يطبق وأن يتخذ مساره الصحيح، فمختلف الأفكار، والبحوث والرسائل والأطاريح، الجامعية لا بد وأن تتخذ من المنهج سبيلا، وأرضية متينة بغية أن يُسدد المشروع، خاصة إذا اقترن بالتفكير، “فليس ثمة خلاف أن التفكير المنهجي ضرورة كنجاح أي عمل، بوصفه يرسم طريق الوصول إلى الغاية المنشودة”، فلذلك فلا يمكن أن نقوم وأن نؤصل للمسار الفكري، والعلمي دون منهج يقود هذا المسار، إلى طريق الصواب.
إن المنهج القرآني بعد نزول أول قول من عالم الإرادة، ممهدا لتطور علمي في عالم الشهادة، “الذي بدأ بتهيئة العقل البشري وتحضيره لاستقبال (القراءة ثم القراءتين والجمع بينهما)، ليبدأ تتابع نزول نجوم القرآن في عمليَّات منهجية لتغير واقع كانت تحكمه قيم الشرك”، ما جعل المنهج القرآني يتسم بمجموعة من الأبعاد المعرفية والمنهجية التي لا يتصف بها أي منهج خارج إطار المنظومة القرآنية.
يرسم لنا المنهج القرآني، بناء على هيمنته وإطلاقيته، صورة عن الأهمية التي يحظى به المنهج داخل الساحة الفكرية، وخاصة أن الفكر الإسلامي قد تنزل منهجه المطلق، في أول لقاء تم بين عالم الإرادة وعالم المشيئة، التي رسمت معالمها أول الآيات التي نقحت الفكر الإنساني من براتين الإستبداد النفسي والآبائي، فحين نزلت كلمة <اقرأ>؛انتقل الفكر الإنساني من الإعتماد على المعجزات الحسية إلى التكفير المنهجي، الذي خط معالمه الوحي، منذ بدايته وتحريره من اصر الجمود العقلي، بمعالم المنظومة الإسلامية.
-مصادر المنهجية القرآنية:
1- الوحي:
2- الواقع:
فهو مصدر قد اختل مع نفيه دون مبرر منهجي، ما جعل مختلف الدراسات الفكرية والإجتماعية، التي لم تبني موقفها الفكري واعتباره مصدرا للمعرفة، لم توفق إلى حد ما في تبيان حقيقة الظواهر الفكرية والإجتماعية، كونها غيبت مصدرا له من الأهمية في إدراك أبعاد النظريات الفكرية، إذ “نستطيع أن نميز فيه ثلاث مستويات هي:
3- تكامل مصدري الوحي والواقع:
الوحي والواقع، مصدران من مصادر المعرفة، كما سبق، فعلاقتهما علاقة تكامل وترابط، قائمة على التسخير غير قابلة للتفرقة، التي نتج عنها المأزق العالمي المعاصر، في كلا شقيه، العالم المتقدم، والعالم الثالث، فالدعوة إلى الجمع بينهما، دعوة العودة إلى الأصل، من خلال المحدد المنهجي الذي ندعو إليه، الجمع بين القراءتين.
تشكل المفاهيم والمصطلحات أسس الحضارة ومنطلق فكرها الكلي نحو غاية الوجود، فلا يمكن أن نعيد تجديد الفكر الحضاري دون مراعاة الوجود المصطلحي، لهذا فقد شكلت المصطلحات أسس الحضارة الإسلامية، ما مميزها عن باقي الحضارات أنها استمدت من القرآن المجيد منطلق ومحددات تلك المفاهيم، على سبيل المثال لا الحصر، فإن مصطلح الشورى يختلف كل الإختلاف عن مفهوم الديموقراطية، فلكل خلفية فكرية فلسفية، فلا يمكن مقارنه مصطلح منهجي مطلق، بمصطلح غربي أيديولوجي، وهذا ما يجعل من المفاهيم، أساس الإصلاح والتغيير، لهذا وردت في القران المجيد مجموعة من المفاهيم التي تحمل في بعدها الكوني تكاملا معرفيا، من بين هذه المصطلحات:
الصراط: وهو الحق واتخاذ السبيل في الدنيا بغية الفوز بجمالية الوجود في عالم الإرادة، والمقاومة للشهوات التي تحول بين الإنسان وبين الزهد والقناعة المؤدية للسمو الجمالي في عالم المشيئة، لم يكن الدعاء به في فاتحة الصلاة أمرا اعتباطيا، (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) سورة الفاتحة، الآية 6، وذلك لما له من أهمية بعد الإقرار بوحدانية الله في العبادة الكلية والإستعانة به، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) سورة الفاتحة، الآية 5. إن مفهوم الصراط يشكل في حياة الفرد المسلم مفهوما منهجيا تتعلق به حياته الإجتماعية والفكرية، إذ تسير وفق سنن ونواميس الكون، دون أن تسبب خللا في السير الوجودي للتفاعل بين عالم الإرادة وعالم المشيئة، كما أنه العمود الذي ترتكز عليه سورة الفاتحة يتجلى في توحيد الربوبية لله سبحانه، فالصراط بمفهومه القرآني، يتضح من خلال مجموعة من الآيات التي تدل بعبارة صريحة على المفهوم القرآني للصراط، قال الله تعالى:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) سورة النساء الآية 13.
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)، سورة النساء الآية 69.
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) سورة النور الآية، 52.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا -70 -يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، سورة الأحزاب، الآيات 70-71،
(لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا) سورة الفتح الآية، 17.
يتضح مفهوم الصراط من خلال مفهومة القرآني أنه السبيل إلى الفوز بالملاذ اللانهائي المنعم، ملاذ الوجود الأبدي، ملاذ النعم التي لم تخطر على ذات بشر، ولم ترى قط عينه جمالا، يبهر النفس بجماله، الذي راق جمالا فوق التصور الذاتي والعقلي.
السبيل: وهو مرادف منهجي لمفهوم الصراط، كما هو واضح من خلال مفهوم دلالاته المعرفية، الذي يدل على الطريق، فإذا ما نحن تتبعنا الدلات المعرفية والمنهجية للسبيل، فإنه يأتي على المراد به طريق الحق، طريق الصراط، طريق الإدراك الكوني للعلاقة بين الكون والقرآن.
– النموذج المعرفي الغربي المادي والنموذج المعرفي التوحيدي:
لا يزال الفكر الأيديولوجي الغربي للفلسفة الوضعية الغربية مهيمنا على التحول والتطور العلمي والمعرفي في العالم، مما يؤدي به إلى التهلكة كونه ماديا وحسيا، مغيبا الجانب الأخلاقي والغيبي في المعرفة الكونية، فلكي نواجه النموذج المعرفي الغربي ، لا بد وأن نستحضر في المواجهة البعد التاريخي والتأريخي لمفهوم العلم في الثقافة الغربية، وكذا تطوره عبر مراحل الإنقلابات المعرفية في النموذج المعرفي الغربي ، حيث إن الأصول المؤسسة لمفهوم العلم “الغربي”، تقوم على أبعاد وخلفيات ذاتية، حيث يشكل هذا التحدي الذي نادى به الإستعمار والهزيمة الفكرية من قبل النموذج المعرفي الغربي ، وذلك لإعادة صياغة مفهوم العلم حسب تعريف الأمم المتحدة<ما دلت عليه التجربة والمختبر>، فأهمل النموذج المعرفي الغربي قراءة الوحي، فتعطلت مناهجه، وانحطت الأخلاق المعرفية والعلمية لديه.
يشكل المنهج الإسلامي المبني على قواعد فكرية علمية رصينة، مطلقة الوجود، حلا لا ثاني له أمام تجاوز الفلسفة الوضعية، من حيث وجودها المعرفي والكوني، فإهمال الجانب الغيبي في المعرفة يشكل جمودا في التجديد والاجتهاد المعرفي، وذلك عبر تكامل معرفي مبني على المنهج القرآني، وتجاوز الفهم التراثي للعلوم، وذلك بتجديدها وفق مفهوم مساير للعصر الكوني محيط بمعالم المنهج القرآني، بغية استنتاج حلول قرآنية، تنسلخ منها العلوم من التمزق المعاصر، الذي لحقها عبر عصور الوجود المعرفي، ويمكن إصلاح أزمة الأمة التي يمر منها الفكر العلمي، نتيجة التجزئة للقراءتين-القرآنية والكونية- والذي “يبدأ من ضرورة توحيد نظامي التعليم في نظام واحد، يغرس الرؤية الإسلامية، ويكشف عن طبيعة الحضارة الإسلامية وخصائصها…. ويمكن الأمة من بناء معرفة إسلامية معاصرة تجمع بين الوحي والعقل وتوحد الفكر والفعل” ، فالوحي والعقل لم يكونا يوما في علاقة تنافرية، ألبته، بل اتخذ هذا الصراع من خلال محاولة الجمع بين الوحي المطلق كحقيقة معرفية والفلسفة الوضعية؛ الجمع بين المطلق والنسبي؟؟ وهما أمران لا يجتمعان، حتى ان ابن رشد في كتابه “فصل المقال وتقرير ما بين لحكمة والشريعة من اتصال” أن يُأول الشرعية كي تنسجم مع الفلسفة الوضعية، وهذا الرفض الذي لا بد منه، إذ يمكن أن نجمع بين تأويل الشرعية والفلسفة، لا الشريعة ذاتها.
عجزت المنظومة التقليدية عن إصلاح الفكر الإسلامي من جموده على القديم، إلى يومنا هذا، لما امتاز به عصر الجمود من الإكتفاء بالإجتهاد الموجود، مع شرحه ونظمه، والتقوقع داخل نمط معين من الثقافة، عازلا بذلك العقل المكون للوجود الفكري نفسه في محيط، لا يقبل بفكرة تخالف ما بني عليه فكره، ولا نقول فكره المباشر من القران المجيد، بل من خلال الفهم الفقهي لشيوخه، لما أحلهم من تقديس وحياء مغلوط بتعبير الدكتور الجابري، إذ يرى الدكتور اسماعيل راجي الفاروقي وجهين أعجزا المنهجية التقليدية في تحقيق الإصلاح في الثقافة الإسلامية في:
“الأول: أنها تحصر مفهوم الإجتهاد في مجال الفقه، وتحصر معنى الفقه في مجال الأحكام الشرعية… أما الوجه الثاني لعجز المنهجية التقليدية فهو حب الإغتراب في الدنيا وإهمال شأنها وتركها لطغاة المفسدين والمفسدين..”، فتبنى الدكتور الفاروقي منهج أسلمة المعرفة، كسبيل إلى الإصلاح، “بوصفها أساسا ضروريا لإزالة الثنائية في النظام التعليمي، وإزالة الثنائية في حياة الأمة”.
تشكل المحددات المنهجية التي أوردها الدكتور طه جابر العلواني في مشروعه الفكري، “التوحيد بوصفه محور الرؤية الكونية، والجمع بين القراءتين والوحدة البنائية للقرآن الكريم والإستيعاب الكوني”، محددات هي الأولى بالمناقشة الفكرية، والإهتمام، الذي يجب أن يُولى إليها، وقد اشتعلنا حول هذه المحددات في بحث لم ينشر بعد، ونشرناه على شكل مقالات متفرقة، في مواقع مختلفة نشير إشارات إلى هذه المحددات:
-التوحيد: باعتباره كما سبق، أساس الوجود الكوني، ومنطلق التفاعل بين الموجودات في نسق منهجي قرآني، يقوم على أساس التوحيد القرآني، يتسم الوجود بغاية في الوجود وهو ما يقوم عليه هذا الخلق الكوني في عالم المشيئة، فتوحيد الله، الذي حقق للوجود وجوده، كفيل بأن يجعل كل الكون يسبح بحمد الله تعالى، قال الله تعالى (تُسَبِّح لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) سورة الاسراء، الآية 44. فقد كانت مهمة الرسل والأنبياء، تبليغ رسالة التوحيد من آدام الى محمد صلى الله عليهم أجمعين، إذ أنه أهم ما يجمع الرسل؛ فهم على دين واحد، وشرائع متعددة، ولأهمية التوحيد، فإنه يعتبر صنفا من أصناف الأصل الثاني من الأصول الأربعة للعلوم الشرعية “وعلم التوحيد التزكية: هو الصنف الثالث المقصود من التكوين العلمي لطالب العَالِمِيّةِ، وهو في حقيقته غاية الغايات ونهاية المآلات في الدين”، كما أن الدكتور سعيد شبار يعتبر التوحيد من الأصول المؤسسة للتواصل النافية للتحيز باعتباره “تحرير من كل مظاهر الإسترقاق والخضوع التي يفرضها إنسان على إنسان”، فالتوحيد أصل الوجود الإنساني والكوني، وغاية الخالق من تحقيق هذا الوجود.
-الجمع بين القراءتين: إن الجمع بين القراءتين، قراءة في القرآن، وقراءة في الكون، جمع يكمل الاستيعاب والترابط الذي يمكن الإنسان من تحقيق الهدف الأسمى الذي خلق له، تسخير الكون لتحقيق حقيقة الإستخلاف والعمران بتعبير الدكتور العلواني “فكلاهما ـ القرآن والوجود المشيء- يكمل الأخر في الكشف عن دلالات الوجود وقوانينه” يقول الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد “أن الجمع بين القراءتين يعتمد على الربط بين القرآن بوصفه محتوى الوعي المعادل للوجود الكوني وحركته وما يتمظهر به هذا الوجود من تشيؤ وتكوين”.
-الإستيعاب الكوني: نفي الإسقاط للأحكام القرآنية، على اللسان العربي الذي أفقده منهجيته المعرفية، فاختلط به المجاز والتورية… إلخ، الذي تعدت معه الإجتهادات واختلفت الأراء، فالإستيعاب الكوني، يعيد الأحكام القرآني وفق صياغتها القرآنية، من أجل أن تستعيد نسقها القرآني، وتضح المعالم المنهجية القرآني بشكل أوضح.
خاتمة
إن المعرفة بحقيقة منهجية التكامل المعرفي، دعوة للعودة إلى الأصل، الذي كان عليه الفكر المعرفي بعد نزول الأمر الإلهي من عالم الإرادة، إلى عالم الشهادة، فالتشكل المنهجي، الذي ساد قبل التفرقة مكن العقل البشري من الإبداع في مختلف التصنيفات العلمية، فارتبط الفكر البشري بالوحي وعالم الشهادة، مما جعله عقلا يكتشف حقيقة العلاقة بين الوحي، باعتباره منهجا لفهم الكون، والوحي كونه منهجا لفهم الوحي، فالعودة إلى الأصل منهج لا غنى عنه، وذلك في إطار مراعاة الواقع وما أحدثناه من محدثات، فكان أصل الجمع بين القراءتين التكامل المعرفي.
المراجع:
القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم
منهجية التكامل المعرفي، حسن فتحي ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي طبعة خاصة بالمغرب، 1443هـ – 2012م،
طه جابر العلواني، معالم المنهج القرآني، دار السلام-مصر، ط 1، 2010،
الأنصاري، فريد، مفهوم العَالِمِيّةِ، دار السلام-مصر، ط2، 2011،
شبار، سعيد، من مظاهر التحيز في العلوم الإسلامي وتأثريها على ثقافة الأمة وعطائها الكوني، ضمن أعمال الندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء، تحت عنوان “العلوم الإسلامية أزمة منهج أم أزمة تنزيل” يومي 13ـ14 ربيع الثاني 1431 الموافق 30ـ31 مارس 2010، ط 1،
حاج حمد، محمد أبو القاسم، منهجية القرآن المعرفية، دار الهادي، ط 2، 2008- 1429،



