اسامة البحري يكتب أزمة هوية الأخصائي الاجتماعي: بين علم النفس وعلم الاجتماع

تقوم مراجع التدخل الاجتماعي على تصور نظري يقوم على الفكر الفدرالي،ومن تبعات هذا التصور كما نلاحظ اليوم هو متابعة العديد من الاخصائيينالاجتماعيين دراستهم في علم النفس وليس في علم الاجتماع/ العمل الاجتماعي/ الانثربولوجيا. وهذا ناتج عن دعوة الكثير من الباحثين في العمل الاجتماعي للتحلي بتدخل مركب وذلك لان الواقع الاجتماعي معقد ويجبصهر تخصصات عدة في التدخل الاجتماعي كعلم الاجتماع وعلم النفسوالقانون والاقتصاد، بمنطق الفكر المركب الموراني، وهذا لا يمكن الا انتجعل المتخصص في هذا التدخل يشعر انه يمشي على الهواء لا علىالارض.
وذلك لانه كما هو معروف لدى كبار منظري العلوم، فان لكل تخصص مرجعيةموحدة ومنهجية خاصة به، لا تقبل التداخل فعلى سبيل المثال .اللغة ، حيننستعمل في جملة واحدة كلمات متعددة من لغات مختلفة، يفقد المعنىوضوحه، و يعجز المتلقي عن فهم المقصود، وهذا ما يعيشه التدخلالاجتماعي، فالدفاع عن عدم وجود مركزية موحدة والانفتاح على الباقي كروافد يجعل المتدخل ينتج تدخل تائه لا ارض إبستيمية له
فتوجه العديد من المختصيين الاجتماعيين لدراسة علم النفس ناتج عن انه لاتوجد مراجع كافية قامت بتحويل النظريات السوسيولوجية الى ادواتتدخلية. فنادرا ما نجد مثلا توظيف تصور اميل دوركهايم في ممارساتالتدخل الاجتماعي او العلاجي بشكل مباشر وقابل للتطبيق، رغم انه قامبمجهود غابة في الأهمية في كتابه الانتحار ليبين ان تفسير الانتحار ليسنفسيا فقط بل إجتماعي ايضا، وهذا مدخل جد مهم، يحيل إلى وجود مادة التدخل التي ميزت بين المرض النفسي والمرض الإجتماعي، لكنها تبقى حبيسة نخبة البحث ولا تتصرف على شكل أدوات عملية كما عرف علم النفس ذلك.
وهذا هو العائق الاساسي اليوم، وهو ضعف تحويل الرصيد السوسيولوجيالكبير الى ادوات تدخلية عملية، في حين يجد الاخصائي الاجتماعي امامهادوات علم النفس بشكل اوضح واكثر تطورا من حيث النماذج العلاجيةوالتطبيقية، مما يجعله يميل اليها في الممارسة، بدل علم الاجتماع رغم انموضوع تدخله هو الاجتماعي
فالتدخل الاجتماعي ليس تدخلا نفسيا صرفا، بل يقوم على وظيفة الوساطة الاجتماعية، أي فهم العلاقة بين الفرد والمجتمع وتحديدها ثم التدخل لترميمها، ويشمل ذلك فهم الأدوار الاجتماعية المختلفة، وكيف تؤثر التنشئة الاجتماعية والقيم المستدمجة في تشكيل السلوك، مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف هذه الأدوار باختلاف السياقات الاجتماعية، بما في ذلك الفروق بين الجنسين في مسارات التنشئة والأدوار الاجتماعية.
ففهم مراحل الطفولة نفسيا ليس هو فهم مراحل الطفولة اجتماعيا وسوسيولوجيا، كذلك فهم زلة اللسان سيكولوجيا ليس هو فهمها سوسيولوجيا، حتى الارتباك والقلق، ففهمه سيكولوجيا لا علاقة له بفهمه في سياق الثقافة والتنشئة الاجتماعية، وحتى الأحلام، كما بين عالم الاجتماع الفرنسي برنارد لاهير في عمله حول تفسير الأحلام سوسيولوجيا، تختلف كليا عن التفسير السيكولوجي للأحلام. فالتمكين الاجتماعي للفرد ذو بعد سوسيولوجي بامتياز. نعم، يمكن أن ننفتح على علم النفس كرافد، كما يفعل الباحث في علم النفس مع علم الاجتماع، لكن خلفية التدخل الاجتماعي إن انحازت عن أرض علم الاجتماع فسيصبح الأخصائي الاجتماعي أخصائيا نفسيا من درجة ثانية، ينتج تدخلا لا هو نفسي ولا هو اجتماعي.
لذلك فمعظم التدخلات الاجتماعية غالبا ما تكون نفسية بقناع اجتماعي، ويعود هذا إلى مأزق عدم الأخذ بمبادرة تصريف النظريات السوسيولوجية إلى أدوات تدخلية، أي أن يصبح تصور بارسونز وبيكر وبورديو… أدوات إكلينيكية، ناهيك عن آلاف الدراسات في علم الاجتماع التي تبقى حكرا على الباحثين، ولم يتم إعادة إنتاجها على شكل أدوات إكلينيكية وأدوات فهمية يدمجها الأخصائي الاجتماعي مع منهجيات التدخل الاجتماعي، كما هو موجود في علم النفس. فعلم النفس يفهم ويحلل ويدرس، لكن إضافته تكمن في تصريف متنه النظري إلى تدخلات إكلينيكية، بينما الأخصائي الاجتماعي يجد نفسه تائها، بدون خلفية، وذلك لعدم الأخذ بمبادرة تصريف الأبحاث السوسيولوجية إلى أدوات إكلينيكية تدخلية. ويعود هذا إلى قاعدة أساسية في علم الاجتماع تدافع عن أن وظيفة السوسيولوجيا تقف عند الفهم، وأنها لا تقدم حلولا.
فأزمة هوية التدخل الاجتماعي لا تبرز فقط على مستوى الأدوات والمناهج، بل تظهر أيضا على مستوى إنتاج المعرفة نفسها. فحين يتوجه المختص الاجتماعي إلى الميدان، يجد غالبا نفسه أمام وفرة من النظريات السوسيولوجية القادرة على تفسير المشكل الاجتماعي الذي يود التدخل فيه، لكنه يصطدم بأنها عاجزة عن مواكبة تدخله الاجتماعي. فمن جهة نجد أن السوسيولوجيا أنتجت عبر تاريخها كما هائلا من المفاهيم بالغة الأهمية كالمرض الاجتماعي، والأنوميا، والرابط الاجتماعي، والاندماج الاجتماعي، والاستبعاد الاجتماعي، والوصم الاجتماعي، والعنف الرمزي، وإعادة الإنتاج الاجتماعي، والهابيتوس، والاستراتيجيات الاجتماعية، لكن أغلب هذه المفاهيم بقيت حبيسة الرفوف والحياة الجامعية الأكاديمية، ولم تبرز محاولات كافية لتحويلها إلى بروتوكولات تشخيص، أو نماذج تدخل، أو أدوات مهنية إكلينيكية قابلة للتوظيف المهني من طرف الأخصائي الاجتماعي.
ونتج عن هذا مفارقة معرفية عميقة: فكلما كانت المشكلة أكثر اجتماعية، كان الأخصائي الاجتماعي مضطرا إلى اللجوء إلى أدوات نفسية لفهمها والتعامل معها. وهذا لا يعني قصور علم النفس، بل يكشف عن فراغ تطبيقي داخل الحقل العلمي الاجتماعي، وبالتحديد في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. فالمشكل ليس في ضعف التفسير السوسيولوجي والأنثروبولوجي، بل في ضعف انتقاله من مستوى الفهم إلى مستوى الفعل.
وهذا ما ناقشه كتاب “بيار بورديو فيلسوف في علم الاجتماع” للباحثة ماري-آن ليسكوريه، الذي ناقش رحلة الإنتاج السوسيولوجي لبورديو وهل تمكن من الانفصال عن الفلسفة. وكما بينت الباحثة، فإن بورديو، رغم أنه نزل إلى الميدان، إلا أنه ظل يفكر كفيلسوف، بحيث أعاد النقاش حول إشكالات فلسفية كالحتمية والحرية، والذات والموضوع، لكنه لم ينتج أدوات إكلينيكية قابلة للتطبيق رغم أن معظم بحوثه ميدانية. وبينت الباحثة أيضا كيف تحول فكر بورديو إلى فكر نخبوي داخل الجامعات بفرنسا، وأصبحت بذلك، كما بينت الباحثة، سوسيولوجيا كاشفة وظيفتها تعرية الواقع. وتوضح الباحثة غياب الشق العلاجي، وأن السوسيولوجيا الكاشفة لا تختلف عن الفلسفة ووظيفتها.
وبذلك فإن من أكبر التحديات اليوم أمام الباحثين في العمل الاجتماعي وعلم الاجتماع التطبيقي يتمثل في بناء جسور منهجية بين المعرفة السوسيولوجية والأنثروبولوجية والممارسة المهنية، بحيث لا تبقى النظريات الاجتماعية مجرد أدوات للتأويل، بل يجب أن تتحول إلى موارد عملية تساعد على التشخيص الاجتماعي، وفهم شبكات العلاقات، وتحديد مصادر الهشاشة والإقصاء، وصياغة استراتيجيات للتمكين والدمج الاجتماعي. فبدون هذا الجهد يبقى التدخل الاجتماعي أمام مفارقة دائمة: فموضوعه اجتماعي، لكن أدواته الأكثر فاعلية مستعارة من حقول معرفية أخرى، ومن بينها علم النفس.
ورغم أن البحث في العمل الاجتماعي، وهذه من أكبر المفارقات، ينتمي إلى العلوم الاجتماعية، فإنه في تدخله يعيش مأزق هوية بين علم النفس وعلم الاجتماع. وفي هذا الصدد يقول الباحث في العمل الاجتماعي باسكال ليافر في كتابه “دليل أسس البحث في العمل الاجتماعي“: “البحث في العمل الاجتماعي ليس بحثا ضعيفا في العلوم الاجتماعية، كما أن البحث في العلوم الاجتماعية ليس بالضرورة بحثا جيدا في العمل الاجتماعي. إنهما يتكاملان مثلما تتكامل مقاربة الفيزيائي مع مقاربة المهندس الفيزيائي، ورغم إمكانية التمييز بينهما، فهما غير منفصلين تماما، بل إن الرهان العلمي والعملي الحقيقي يكمن في بناء جسر بينهما، أي في خلق استمرارية وتفاعل متبادل بين المعرفة النظرية والتدخل الميداني” (ص: 17).
وهذا يبين أن التدخل الاجتماعي هو تدخل يرتبط بالعلوم الاجتماعية، لكن في الوقت نفسه، وفي تدخله الاجتماعي، يجد أزمة، وهذا يعود أساسا إلى أزمة تصريف النظريات السوسيولوجية في التدخل الاجتماعي.
وبالعودة كذلك إلى الحوار الذي أجري مع سيرج بوغام والمعنون بـ“العمل الاجتماعي يجب أن ينسج روابط تحريرية“، والذي أجري معه سنة 2024، بين أن العمل الاجتماعي تأثر تاريخيا بعلم النفس لكونه يتبنى فكرة إصلاح الأفراد، وهذا يجعل التدخل، حسب بوغام، يركز على حماية الفرد ومساعدته للوصول إلى موارده الداخلية، وهو ما يجعل العمل الاجتماعي يتمحور حول الذات بدلا من المجتمع.
ويحذر بوغام من أن التركيز على الجانب النفسي يؤدي إلى توجيه اللوم للفرد وتحميله مسؤولية فشله الاجتماعي، بينما المشكل اجتماعي وقد يكون نتاج الدور الاجتماعي الذي يتبناه الفرد، والذي يجبره على القيام بأشياء تفوق طاقته كإنسان. ويعطي بوغام مثالا داخل المدرسة، فبدل التعامل مع مشكل عدم اندماج تلميذ مهاجر بين أصدقائه في بعده السوسيولوجي وشرح أسبابه الاجتماعية، يتم إخبار الطفل أن شخصيته ربما هي السبب، مما يجعله يدخل في منطق ذنبوي يعمق الاستبعاد الاجتماعي بدل الاندماج.
وكذلك، حسب بوغام، فإن المقاربة النفسية قد تغفل كيف أن الوصم الاجتماعي، وظروف السكن، والفقر، والأدوار الاجتماعية، والرساميل الثقافية، هي التي تجعل الآخرين يبتعدون عن الشخص.
ولعل أبرز المراجع الدولية المعاصرة التي التفتت بذكاء وصرامة إبستمولوجية إلى هذا المأزق، المؤلف الجماعي الصادر عن مطبوعات جامعة أوتاوا تحت عنوان “إرفينغ غوفمان والعمل الاجتماعي” (Erving Goffman et le travail social)، الصادر بإشراف الباحثتين ستيفاني غارنو وداليا ناميان، حيث يمثل هذا العمل تطبيقا حيا لكيفية بناء الجسور المنهجية بين المعرفة السوسيولوجية والممارسة التدخلية، ويعتبر أيضا ردا علميا على دعاوى عقم السوسيولوجيا التطبيقية وعدم قدرتها على تقديم أدوات تدخلية.
ففي ثنايا الكتاب، وتحديدا في الدراسة الإثنوغرافية التي قدمتها الباحثة Katharine Larose-Hébert في سياق سياسات “إخراج المرضى النفسيين إلى المجتمع” (Désinstitutionnalisation) في كيبك، تقدم نموذجا إجرائيا غاية في الأهمية يعيد الاعتبار لمفهوم غوفمان الشهير “المسار” (Carrière)، إذ تبين الباحثة أنه على الرغم من نقل الخدمات إلى قلب الفضاء المجتمعي المحلي، فإن هوية المستخدمين تظل محكومة وموجهة بالمحددات والإكراهات المؤسساتية المستترة (Contraintes institutionnelles).
وهنا تتجلى عبقرية تحويل المفهوم السوسيولوجي إلى أداة تدخل وتشخيص (Outil d’intervention)، فالأخذ بمفهوم “مسار المستخدم” بعين الاعتبار في جذاذة التشخيص الاجتماعي لا يقف عند حدود الوصف، بل يصبح آلية للوعي الاجتماعي (Conscientisation)، ويكون أساسيا في عملية استعادة القدرة على الفعل (Réappropriation du pouvoir d’agir)، كما يعتبر مدخلا مهما جدا لإرساء علاقة تدخل أفقية متكافئة (Relation plus égalitaire).
فنقل المرضى النفسيين من المستشفى إلى المجتمع لا يعني قط أنهم أصبحوا أحرارا، وذلك لأن هناك مؤسسة خفية لا تزال تؤثر فيهم، كالقوانين وطريقة نظرة المختصين لهم والمتابعة الطبية. وهنا يبرز مفهوم المسار عند غوفمان، الذي يعني أن هناك سلسلة طويلة من المراحل: تشخيص، علاج، متابعة… وهذه المراحل تصنع جزءا من هوية الفرد.
وتكمن إضافة الكتاب في أنه أدخل هذا المفهوم إلى التدخل الاجتماعي، أي أن الأخصائي الاجتماعي لا يجب أن ينظر إلى الحالة الحالية فقط، بل إلى “مسارها“: كيف بدأ التشخيص؟ كيف تم تصنيف الشخص؟ وكيف أثرت فيه المؤسسة التي تعالج فيها أو التي ينتمي إليها؟ وهذا يجعل الشخص نفسه يعي أن مشكلته ليست نفسية فقط، بل اجتماعية أيضا.
وفي ذات السياق التطبيقي لإنتاج المعرفة التدخلية، يقدم الباحثان Pierre Pariseau-Legault وDave Holmes ضمن فصول الكتاب تفكيكا دقيقا للمقاربات المصاحبة للحياة العاطفية والجنسية للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية. ويبنيان هذا التصور على الصرح الغوفماني، مبينين كيف أن أدوات الممارسة الحالية في التدخل الاجتماعي، والمتأثرة بأدوات مختلفة، تساهم في إعادة إنتاج “ثقافة مؤسساتية خارج الأسوار” (Culture institutionnelle extra-muros)، تمد وصاية المؤسسة الشاملة وضبطها إلى الفضاء العام.
وينتقد الباحثان التعويل على التفسير السيكولوجي في هذه النقطة، ويصوغان بذلك أداة تدخل سوسيولوجية بديلة ترتكز على “إعادة بناء وتأمين المجال الخاص” (Reconstruction et sécurisation de la sphère privée) كآلية إكلينيكية اجتماعية لبناء الهوية العاطفية، وتطوير التقدير الذاتي (Estime personnelle)، وتأكيد الذات (Affirmation de soi)، وذلك ضمن سيرورة تحويلية وتحررية (Processus transformatif et émancipatoire) بامتياز.
فالمشكل ليس بالأساس في نقص عند الفرد، بقدر ما يرتبط بكيفية تعامل الخبراء والأطر معه، أي بالطريقة التي يضبط بها وينظر إليه من خلالها، وهو ما يساهم في بناء هويته اجتماعيا حسب الصرح الغوفماني. فعوض التعامل مع الشخص باعتباره يمتلك رغبات ومشاعر خاصة به في بناء علاقات مع الآخرين، يتم التعامل معه من زاوية الحماية الزائدة، مما يشعره بأنه غير قادر على اتخاذ قراراته العاطفية بنفسه.
وحتى حين يخرج الشخص من المؤسسات، يبقى حاملا لهذه الوصايات. وينتقد الباحثان التصور السيكولوجي الذي يختزل هذا المشكل في جانب فردي، مبينين أنه اجتماعي بالأساس، وأنه يجب التوعية بأهمية تغيير نظرة المجتمع تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة، وإعادة بناء وتأمين المجال الخاص حتى يعيشوا حياتهم الطبيعية والعاطفية والصداقات بكل حرية، مع دعمهم وتمكينهم بدل مراقبتهم وضبطهم.



