من تأكيد الوجود إلى تأمين الحدود… ماذا جاء في ندوة “عيد وحدة القلوب” ببني ملال؟

بقلم الأستاذ: حسن عاصم
بني ملال، السبت 31 أكتوبر 2026 — احتضن مقر الزاوية القادرية البودشيشية الكائن بشارع الحنصالي في مدينة بني ملال، مساء اليوم السبت، ندوة علمية تحت عنوان “عيد وحدة القلوب: بين تأكيد الوجود وتأمين الحدود”، نظمتها الطريقة القادرية البودشيشية إحياءً لذكرى عيد الوحدة. وقد انطلقت الندوة على الساعة السابعة والنصف مساءً، حسب البرنامج المعدّ لها، وسط حضور لافت من المريدين والمهتمين بالشأن الصوفي والوطني.
استُهلت الندوة بآيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تلاها الإنصات إلى النشيد الوطني، في أجواء روحانية ووطنية مهيبة، جسّدت التلازم بين البعد الإيماني والبعد الوطني الذي شكل الخيط الناظم لجميع مداخلات الندوة.
افتتح الأستاذ الحبيب الشرقاوي المداخلات العلمية بقراءة تحليلية في بنيات عنوان الندوة، حيث فكّك دلالات “عيد وحدة القلوب” وعلاقته بـ“تأكيد الوجود” و“تأمين الحدود”. وأوضح أن العنوان يحمل بعداً مزدوجاً: بعداً روحياً يتعلق بوحدة القلوب وصفائها، وبعداً وطنياً يتعلق بتأمين حدود الوطن والحفاظ على وحدته الترابية. وأشار إلى أن اختيار هذا العنوان ليس اعتباطياً، بل يعكس فلسفة الطريقة البودشيشية القائمة على الجمع بين الروحي والوطني.
وفي المداخلة الثانية، تناول الدكتور رشيد عاصم موضوع “عيد الوحدة والتربية على المواطنة الصادقة”. وقد شهدت هذه المداخلة لحظة مؤثرة، حيث لم يتمالك الدكتور رشيد عاصم نفسه فبكى أثناء حديثه عن حبه وولائه لملك البلاد أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. وقد فسّر الحاضرون هذه الدمعة الصادقة بأنها تعبير عن عمق الحب والولاء للعرش العلوي، وامتداد للبيعة القلبية التي تربط المغاربة بملوكهم.
كما أبان الدكتور رشيد عاصم، خلال مداخلته، عن امتثال وتأدب كبيرين مع شيخه الفاضل سيدي منير القادري البودشيشي، حيث حرص على استحضار توجيهات الشيخ ومكانته الروحية، مؤكداً أن التربية على المواطنة الصادقة تنطلق من التربية الروحية على يد الشيوخ، وأن الأدب مع الشيخ هو أساس الأدب مع الوطن والقيادة. وقد تجلى ذلك في حرصه على الإشارة إلى فضل شيخه وتوجيهاته في كل ما يتعلق بقيم الولاء والمواطنة.
أما الأستاذ حسن الشكدالي، فقد قدم مداخلة بعنوان “عيد الوحدة بين البعد الوطني والبعد الروحي”، حيث حلل العلاقة التكاملية بين المناسبة الوطنية والممارسة الصوفية. وأكد أن الاحتفاء بعيد الوحدة داخل الزاوية لا يقتصر على الجانب الاحتفالي، بل يكتسي بعداً تعبدياً باعتبار أن الحفاظ على وحدة الوطن وأمنه يندرج ضمن مقاصد الشريعة. وشدد على أن البعد الروحي للتصوف المغربي ظل دائماً في خدمة البعد الوطني، من خلال ترسيخ قيم البيعة والطاعة والانضباط الاجتماعي و خصص الأستاذ يوسف فتاوي مداخلته لموضوع “التصوف والقضايا الوطنية: الطريقة القادرية البودشيشية نموذجاً”. واستعرض المحطات التاريخية التي برهنت فيها الطريقة البودشيشية على انخراطها في القضايا الوطنية الكبرى، وخاصة قضية الوحدة الترابية. وأكد أن الزاوية البودشيشية ظلت دائماً في طليعة المدافعين عن الثوابت الوطنية، مستشهداً بالمواقف الثابتة للطريقة في خدمة الوطن والعرش.
واختتمت المداخلات بمداخلة للطالب الباحث، يوسف عاصم ،تحت عنوان “حب من سكن الديار البيعة القلبية من إثبات الوجود إلى تأمين الحدود”، حيث تعرض لمفهوم البيعة في التصوف الإسلامي، موضحاً أن البيعة القلبية هي التي تمنح الإنسان إثبات الوجود الروحي، بينما تأمين الحدود هو الميثاق والعهد الذي يحدد العلاقة بين المريد وشيخه، وبين المواطن ووطنه وخلص إلى أن الوفاء بالبيعة القلبية لله ولرسوله ولأولي الأمر هو الأساس الذي يضمن استقرار المجتمع وتلاحمه.
واختُتمت الندوة برفع أكف الضراعة إلى الله تعالى بالدعاء الصالح لمولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين، وللشعب المغربي بالأمن والاستقرار والوحدة
أجمع المتدخلون على أن الزوايا الصوفية، وخاصة الطريقة القادرية البودشيشية، تشكل حصناً منيعاً ضد التيارات المتطرفة، ومدرسة لترسيخ قيم المواطنة الحقة والولاء الصادق للعرش العلوي. وقد شكلت لحظة بكاء الدكتور رشيد عاصم، وتأدبه مع شيخه سيدي منير القادري البودشيشي، أبرز معالم الندوة، لما عكسته من صدق الولاء والمحبة، وتجسيد حي لقيم البيعة القلبية التي طالما رسختها الزاوية البودشيشية في نفوس مريديها.



